مقديشو – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
في ظل الحاجة المتزايدة إلى بناء كوادر وطنية مؤهلة وقادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والتنموية، دعا رئيس الوزراء الصومالي، حمزة عبدي بري، إلى تعزيز الارتباط بين منظومة التعليم واحتياجات سوق العمل، مؤكدًا أن قيمة التعليم لا تتوقف عند الحصول على الشهادات الأكاديمية، وإنما تقاس بمدى قدرة الخريجين على تحويل معارفهم إلى مهارات وخبرات عملية تسهم في خدمة المجتمع ودعم الاقتصاد والاستجابة للتحديات التي تواجه البلاد.
جاء ذلك مساء أمس الأحد، خلال مشاركة رئيس الوزراء في مراسم تخرج برامج الدراسات العليا والبحوث لعام 2026 بجامعة مقديشو، التي أقيمت في فندق الجزيرة بالاس بالعاصمة مقديشو، بحضور مسؤولين وأكاديميين وأعضاء هيئة التدريس وأسر الخريجين. وهنأ حمزة عبدي بري الخريجين بمناسبة إتمام مسيرتهم الأكاديمية، مشيدًا بالجهود التي بذلوها للوصول إلى هذه المرحلة، كما أشاد بدور أساتذتهم وأسرهم في مساندتهم خلال سنوات الدراسة.
وأكد رئيس الوزراء أن خريجي برامج الدراسات العليا والبحوث يمثلون إضافة إلى رصيد الصومال من الكفاءات الوطنية، مشيرًا إلى أن ما اكتسبوه من معرفة وخبرة ينبغي ألا يبقى محصورًا داخل الإطار الأكاديمي، بل يجب أن يتحول إلى مساهمات ملموسة في مؤسسات الدولة والقطاعات الاقتصادية والمجتمع. واعتبر أن الاستثمار في التعليم يصبح أكثر جدوى عندما يفضي إلى إعداد كوادر قادرة على تقديم حلول عملية، وتحسين أداء المؤسسات، والمشاركة في دفع مسار التنمية الوطنية.
التعليم والاستثمار في رأس المال البشري
وأوضح حمزة عبدي بري أن الحكومة الفيدرالية تواصل العمل على تطوير جودة التعليم بمختلف مراحله، انطلاقًا من دوره المحوري في بناء مؤسسات الدولة وتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وأشار إلى أن توسيع فرص التعليم وزيادة أعداد الملتحقين والخريجين لا يكفيان وحدهما لتحقيق النتائج المرجوة، ما لم يترافق ذلك مع تحسين نوعية التعليم، وتطوير المناهج، وتعزيز المهارات التي يحتاج إليها الطلاب للانتقال من البيئة الأكاديمية إلى الحياة المهنية.
وبيّن أن التحولات المتسارعة في الاقتصاد والتكنولوجيا والخدمات والإنتاج تفرض على المؤسسات التعليمية مواكبة المتغيرات بصورة مستمرة، حتى لا تتسع الفجوة بين ما يتلقاه الطالب داخل الجامعة وما يتطلبه سوق العمل بعد التخرج. وأكد أهمية إعداد خريجين يمتلكون القدرة على التفكير النقدي، وحل المشكلات، والتعلم المستمر، والعمل بكفاءة، وتوظيف المعرفة في التعامل مع الاحتياجات الواقعية، بدلًا من اختزال العملية التعليمية في الحصول على مؤهل أكاديمي.
تقليص الفجوة بين التعليم والعمل
وشدد رئيس الوزراء على أن تقليص الفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل يحتاج إلى تطوير البرامج الأكاديمية والتدريبية بصورة أكثر مرونة، وربطها بالتغيرات التي يشهدها الاقتصاد والقطاعات المهنية المختلفة. وأكد أهمية توسيع فرص التدريب العملي والتطبيق الميداني خلال فترة الدراسة، بما يمنح الطلاب خبرات تساعدهم على دخول سوق العمل بثقة وقدرة أكبر على التعامل مع متطلباته.
وأشار إلى أن الخريج يحتاج في المرحلة الراهنة إلى مزيج متوازن من المعرفة الأكاديمية والمهارات التطبيقية، إلى جانب القدرة على التكيف مع التحولات المهنية والتعلم المستمر. ومن شأن هذا النهج أن يوسع فرص الحصول على وظائف، ويفتح في الوقت نفسه المجال أمام الخريجين لتأسيس مشاريع ومبادرات خاصة، بما يعزز ريادة الأعمال ويسهم في خلق فرص عمل جديدة.
الشباب وفرص المشاركة الاقتصادية
وأكد حمزة عبدي بري أهمية توفير فرص اقتصادية ومهنية للشباب المتعلمين داخل البلاد، بما يتيح لهم توظيف مؤهلاتهم ومهاراتهم في مختلف القطاعات والمشاركة بصورة مباشرة في عملية التنمية. وأوضح أن تمكين الشباب لا يتحقق بالتعليم وحده، وإنما يتطلب أيضًا اقتصادًا قادرًا على استيعاب الكفاءات الجديدة، وقطاعًا خاصًا أكثر نشاطًا، وبيئة تشجع الاستثمار والابتكار وريادة الأعمال.
وتبرز في هذا السياق أهمية التكامل بين السياسات التعليمية والاقتصادية، بحيث تستجيب خطط تطوير التعليم للاحتياجات الفعلية للقطاعات التي يعتمد عليها الاقتصاد، بما في ذلك التجارة والزراعة والثروة الحيوانية والصحة والهندسة والتكنولوجيا والخدمات وغيرها. ويساعد هذا الترابط على توجيه العملية التعليمية نحو مجالات ذات احتياجات حقيقية، ويمنح الطلاب والخريجين رؤية أوضح للفرص والمسارات المهنية المتاحة أمامهم.
شراكة بين الجامعات والاقتصاد
وتتطلب مواءمة التعليم مع سوق العمل، وفق هذا التوجه، بناء شراكة أكثر فاعلية بين الجامعات والجهات الحكومية والقطاع الخاص وأصحاب الأعمال، بحيث تسهم المؤسسات الاقتصادية في تحديد المهارات والتخصصات المطلوبة، بينما تعمل الجامعات على تطوير برامجها الأكاديمية والتدريبية بما يتناسب مع تلك الاحتياجات.
كما أن توسيع التدريب أثناء الدراسة، وتعزيز التعليم التطبيقي، ودعم البحوث المرتبطة بالتحديات الاقتصادية والاجتماعية، يمكن أن يعزز دور الجامعات بوصفها مؤسسات لإنتاج المعرفة والحلول إلى جانب دورها في منح المؤهلات الأكاديمية. ومن شأن هذه الشراكة أن تساعد على رصد التحولات في سوق العمل بصورة مبكرة، وتوجيه الطلاب نحو تخصصات ومهارات تمتلك فرصًا أكبر للنمو والتوظيف.
الشباب ركيزة مستقبل الصومال
وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة في الصومال، حيث يمثل الشباب رصيدًا بشريًا رئيسيًا يمكن أن يؤدي دورًا محوريًا في التنمية إذا توافرت له فرص التعليم النوعي والعمل والإنتاج. ويعني الاستثمار في هذه الفئة الانتقال من التعامل مع الشباب باعتبارهم طالبي وظائف فقط، إلى النظر إليهم باعتبارهم قوة اقتصادية ومجتمعية قادرة على تأسيس الأعمال، وتطوير الخدمات، وابتكار الحلول، والمساهمة في بناء مؤسسات الدولة.
ومن هذا المنطلق، فإن جعل التعليم أكثر ارتباطًا بسوق العمل يمكن أن يسهم في تحويل تحديات البطالة وفجوة المهارات إلى فرص للنمو الاقتصادي، ولا سيما إذا تزامن ذلك مع سياسات داعمة للاستثمار المحلي، وتوسيع نشاط القطاع الخاص، وتشجيع المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتهيئة بيئة تسمح للخريجين بتحويل معارفهم ومهاراتهم إلى مشاريع وفرص إنتاجية داخل البلاد.
وتأتي الدعوة إلى ربط التعليم بسوق العمل في سياق الحاجة إلى بناء رأس مال بشري أكثر قدرة على دعم التحول الاقتصادي والمؤسسي في الصومال، إذ إن توسيع نطاق التعليم لا يحقق كامل أثره التنموي ما لم تقترن الشهادة الأكاديمية بمهارات قابلة للتطبيق وفرص حقيقية للاستفادة منها. ويتطلب ذلك مسارًا متدرجًا لتحديث المناهج، وتوسيع التعليم التقني والمهني، وتعزيز التدريب العملي والبحث العلمي التطبيقي، إلى جانب تطوير آليات لرصد احتياجات سوق العمل والتنبؤ بالتخصصات والمهارات التي ستتطلبها القطاعات الاقتصادية مستقبلًا. كما أن نجاح هذا المسار يرتبط بقدرة الحكومة والجامعات والقطاع الخاص على بناء شراكة مستدامة تجعل التعليم جزءًا من منظومة اقتصادية متكاملة، بحيث تنتقل المعرفة من قاعات الدراسة إلى المؤسسات ومواقع الإنتاج والمشروعات والمجتمع. وفي حال توافرت هذه المقومات، يمكن للتعليم أن يتجاوز دوره التقليدي بوصفه طريقًا للحصول على المؤهلات، ليصبح أداة لبناء الكفاءات، وتوسيع فرص العمل، وتحفيز الابتكار، وتعزيز الإنتاجية، ودعم قدرة الصومال على الاستفادة من طاقات شبابها في بناء اقتصاد وطني أكثر تنوعًا واستدامة.














