غروي – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
في ظل استمرار تزايد أعداد الشباب الصوماليين الذين يخاطرون بحياتهم عبر طرق الهجرة غير النظامية بحثًا عن فرص اقتصادية وحياة أفضل، تتصاعد التحذيرات من التداعيات الإنسانية والاجتماعية لهذه الظاهرة التي باتت تمثل مصدر قلق واسع للأسر والمجتمعات المحلية. وفي هذا السياق، دعا الشيخ محمود حاج يوسف، أحد علماء الدين في ولاية بونتلاند، إلى التعامل مع ملف الهجرة غير النظامية باعتباره قضية مجتمعية وإنسانية تتطلب وعيًا أكبر وجهودًا مشتركة لمعالجة أسبابها والحد من مخاطرها.
وأكد الشيخ محمود أن ظاهرة الهجرة غير النظامية تجاوزت كونها قرارات فردية يتخذها بعض الشباب، لتتحول إلى نشاط منظم تقف خلفه شبكات متخصصة تستغل طموحات الشباب وحاجتهم إلى تحسين ظروفهم المعيشية. وأوضح أن هذه الشبكات تقدم وعودًا غير واقعية بشأن الوصول إلى فرص عمل وحياة مستقرة في الخارج، بينما تخفي عن المهاجرين حجم المخاطر التي تنتظرهم خلال الرحلة، سواء من خلال طرق العبور البرية الشاقة أو الرحلات البحرية الخطرة التي أودت بحياة أعداد كبيرة من الشباب خلال السنوات الماضية.
وأشار الشيخ إلى أن شبكات تهريب البشر أصبحت تعمل عبر مسارات معقدة تضم عناصر صومالية وأجنبية، حيث تقوم باستقطاب الشباب من مناطق مختلفة ثم نقلهم عبر مراحل متعددة باتجاه ليبيا ومناطق أخرى في شمال وغرب القارة الإفريقية، قبل محاولة دفعهم نحو وجهاتهم النهائية. ولفت إلى أن كثيرًا من المهاجرين يتعرضون خلال هذه الرحلات للاستغلال والابتزاز والاحتجاز وسوء المعاملة، إضافة إلى المخاطر المرتبطة بعبور الصحارى والبحار، مؤكدًا أن بعض الشباب يفقدون حياتهم قبل الوصول إلى الوجهة التي حلموا بها.
وأوضح الشيخ محمود حاج يوسف أن استمرار هذه الظاهرة يرتبط بمجموعة من العوامل الاجتماعية والاقتصادية، من بينها البطالة، وضعف فرص العمل، وتأثير الظروف الإنسانية الصعبة التي تدفع بعض الشباب إلى البحث عن بدائل خارج البلاد. لكنه شدد على أن المخاطرة بالحياة عبر طرق غير آمنة لا تمثل حلًا للأزمات، بل قد تؤدي إلى مآسٍ أكبر، داعيًا الشباب إلى دراسة خياراتهم بعناية والبحث عن الفرص المتاحة بطرق أكثر أمنًا واستقرارًا.
وأضاف أن المجتمع الصومالي دفع خلال السنوات الماضية ثمنًا باهظًا نتيجة انتشار الهجرة غير النظامية، حيث فقدت أسر كثيرة أبناءها في حوادث غرق أو خلال ظروف مجهولة في طرق الهجرة، بينما تعرض آخرون لصدمات نفسية وجسدية بسبب الانتهاكات التي واجهوها أثناء الرحلة. وأكد أن فقدان هذه الفئة من الشباب لا يمثل خسارة للأسر فقط، بل خسارة وطنية، لأن الشباب يشكلون القوة الأساسية في بناء الدولة وتعزيز التنمية والاستقرار، وأن حماية هذه الطاقات مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع.
وفي الجانب الديني، أوضح الشيخ محمود أن الشريعة الإسلامية تؤكد أهمية الحفاظ على النفس وصون حياة الإنسان، مشيرًا إلى أن السفر الذي يغلب عليه خطر الهلاك ولا تتوفر فيه أسباب السلامة يدخل في دائرة المخاطر التي ينبغي للمسلم تجنبها. وأضاف أن الإنسان مطالب باتخاذ الأسباب المشروعة والسعي نحو تحسين ظروفه بوسائل تحفظ كرامته وحياته، بدل الإقدام على طرق قد تنتهي بفقدان الروح أو الوقوع في أيدي جماعات وشبكات تستغل حاجة الناس وضعفهم.
ودعا الشيخ إلى ضرورة تبني رؤية شاملة لمواجهة ظاهرة الهجرة غير النظامية، تقوم على تعزيز التوعية المجتمعية، وتوفير فرص التعليم والتدريب والعمل للشباب، ودعم المشاريع الاقتصادية المحلية التي تمنحهم بدائل حقيقية داخل وطنهم. كما شدد على أهمية تعاون المؤسسات الحكومية والدينية والمجتمع المدني مع الأجهزة المختصة لملاحقة شبكات تهريب البشر، وتجفيف مصادر نشاطها، وحماية الشباب من الوقوع ضحية للوعود الوهمية التي تقدمها هذه الجهات.
تعد الهجرة غير النظامية من أبرز التحديات الإنسانية التي تواجه الصومال ومنطقة القرن الإفريقي، حيث تتداخل فيها عوامل اقتصادية واجتماعية وأمنية وإنسانية. وخلال السنوات الماضية، أصبحت طرق الهجرة عبر إثيوبيا والسودان وليبيا والبحر المتوسط مسارات محفوفة بالمخاطر، أدت إلى وفاة أعداد كبيرة من المهاجرين، إضافة إلى تعرض آخرين للاستغلال من قبل شبكات الاتجار بالبشر.
ويرى مختصون أن الحد من هذه الظاهرة يحتاج إلى معالجة جذورها الأساسية من خلال تعزيز التنمية المحلية، وخلق فرص عمل للشباب، وتحسين الوصول إلى التعليم والتدريب، إلى جانب نشر الوعي بمخاطر الطرق غير النظامية للهجرة. كما يؤكدون أن بناء مستقبل أكثر استقرارًا للشباب داخل الصومال يمثل الطريق الأكثر فاعلية لحمايتهم من الوقوع في مخاطر الرحلات غير الآمنة، وتحويل طاقاتهم إلى قوة فاعلة في بناء المجتمع والدولة.














