نيروبي – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
في ظل الجدل المتجدد في الأوساط السياسية والفكرية الصومالية بشأن طبيعة العلاقات مع تركيا وحدود الشراكات الخارجية، طرح الشيخ محمد إدريس، أحد علماء الدين الصوماليين، رؤية رافضة لوصف التعاون القائم بين البلدين بأنه «استعمار»، مؤكدًا أن تقييم العلاقات الدولية ينبغي أن يستند إلى المصالح الوطنية والوقائع الملموسة، مع الإقرار بحق الصوماليين في نقد الاتفاقيات ومراجعة ما يرونه متعارضًا مع مصالح بلادهم.
وأوضح الشيخ محمد إدريس، في تعليق على مواقف البروفيسور عبدي إسماعيل سمتر، أنه لا يتفق معه في وصف الوجود والتعاون الصومالي التركي بأنه استعمار، معربًا في الوقت ذاته عن تقديره لسمتر بوصفه أستاذًا جامعيًا بارزًا ومثقفًا صوماليًا، ومؤكدًا أنه لا يشك في وطنيته، وأنهما يتفقان في العديد من الآراء والقضايا، بينما يتركز خلافهما في توصيف طبيعة العلاقة مع تركيا.
وقال الشيخ إن من حق الصوماليين توجيه النقد أو إبداء الشكاوى بشأن الاتفاقيات المبرمة مع الدول الأخرى، بما في ذلك ما يتعلق بالمنافع والمصالح وأي جوانب يرون فيها عدم إنصاف، لكنه شدد على أن مسؤولية الجانب الصومالي تتمثل في إبرام الاتفاقيات الدولية واتفاقيات تقاسم المصالح على أساس المعرفة والأمانة والحرص على مصلحة البلاد، بما يضمن حماية الحقوق والمصالح الوطنية.
وانتقد الشيخ ما وصفها بتصريحات سياسية غير محسوبة تصدر من بعض السياسيين، ومن بينها القول إن تركيا تستنزف موارد الصومال من النفط والثروة السمكية، أو وصف الوجود التركي بأنه «استعمار جديد». وفي المقابل، دعا إلى عدم إغفال ما وصفه باستغلال جهات أجنبية أخرى للموارد الصومالية، معتبرًا أن النقاش حول الشراكات الخارجية ينبغي أن يكون متوازنًا وألا ينصرف إلى طرف واحد مع تجاهل تحديات أخرى مرتبطة بالسيادة والموارد الوطنية.
واستعرض الشيخ في هذا السياق عددًا من المشاريع والمنشآت التي قال إن تركيا ساهمت في بنائها أو تطويرها في الصومال، مشيرًا إلى المطار والميناء والمستشفيات والمدارس والطرق والأكاديميات العسكرية والبرلمان والقصر الرئاسي. واعتبر أن هذه المشاريع تمثل، من وجهة نظره، جانبًا ملموسًا من التعاون التركي مع الصومال، داعيًا في الوقت نفسه إلى تقييم أي اتفاقية أو شراكة على أساس ما تحققه من منفعة للصوماليين، وليس من خلال توصيفات عامة مسبقة.
وتطرق الشيخ محمد إدريس كذلك إلى قضية الثروة البحرية، مشيرًا إلى ما وصفه بالصيد غير القانوني واستنزاف الموارد السمكية في المياه الصومالية، ودعا إلى إيلاء هذه القضية اهتمامًا أكبر، معتبرًا أن حماية الموارد الوطنية ومواجهة الاستغلال غير المشروع لها ينبغي أن تكون ضمن أولويات النقاش العام. كما أشار إلى وجود مصالح وقوى أجنبية في المنطقة، داعيًا الصوماليين إلى النظر إلى مختلف الأطراف والعلاقات من منظور المصلحة الوطنية بعيدة المدى.
واستند الشيخ في جانب من موقفه إلى قراءة تاريخية للعلاقات بين الصومال وتركيا والدولة العثمانية، رافضًا المقارنة بين الوجود العثماني في مناطق من العالم الإسلامي والاستعمار الأوروبي الذي أعقب انهيار الدولة العثمانية. وأشار إلى أن الدولة العثمانية كانت حاضرة في أجزاء من العالم الإسلامي لقرون، وأنها وقفت، بحسب قراءته التاريخية، في مواجهة التوسع الأوروبي في المنطقة، قبل أن يؤدي ضعفها وانهيارها إلى اتساع النفوذ الاستعماري الأوروبي.
كما استحضر الشيخ عددًا من المحطات المرتبطة بالتاريخ الصومالي، مشيرًا إلى الدعم الذي قدمته الدولة العثمانية، وفق روايته، للإمام أحمد بن إبراهيم الغازي، المعروف بأحمد غُري، في مواجهة القوات الحبشية والبرتغالية، وكذلك إلى صلاتها بالمقاومة التي قادها السيد محمد عبد الله حسن. وتطرق أيضًا إلى الحضور العثماني في مناطق مثل مصر والحجاز وبلاد الشام، وإلى الوجود العثماني في بعض المناطق الساحلية الصومالية، معتبرًا أن ذلك التاريخ يستحق الدراسة بعيدًا عن إسقاط توصيفات الاستعمار الأوروبي عليه.
وأضاف أن التاريخ ينبغي أن يكون معلمًا للصوماليين، داعيًا إلى عدم الخلط في حسابات العلاقات والتحالفات، وإلى التمييز بين المصالح الاستراتيجية بعيدة المدى وبين الخلافات المتعلقة بمكاسب محدودة أو سياسات وإجراءات يمكن مناقشتها وتصحيحها. وأكد أن التعاون مع تركيا، من وجهة نظره، يستند إلى روابط دينية ومصالح عامة واستراتيجية مشتركة، بينما لا يعني ذلك التخلي عن حق الصومال في مراجعة الاتفاقيات ومحاسبة الأطراف بشأن أي قضية تمس المصلحة الوطنية.
وأشار الشيخ كذلك إلى القضية الفلسطينية في سياق استعراضه التاريخي، معتبرًا أن التحولات التي شهدتها المنطقة جاءت في مراحل تراجعت فيها الدولة العثمانية وازداد النفوذ الأوروبي، ودعا إلى استخلاص الدروس من التاريخ وعدم تكرار ما وصفه بأخطاء المواقف التي أسهمت في إضعاف الروابط بين شعوب المنطقة. كما أكد أن الصوماليين بحاجة إلى بناء علاقاتهم الخارجية على حسابات دقيقة للمصالح والروابط المشتركة.
وشدد في ختام موقفه على أن التعاون مع تركيا لا ينبغي أن يمنع الصومال من محاسبتها أو مراجعة أي اتفاقية يرى أنها لا تحقق مصلحة البلاد، لكنه دعا في الوقت ذاته إلى الابتعاد عن العبارات التي وصفها بأنها غير مسؤولة أو ناتجة عن سوء تقدير، وعن تحويل الخلافات السياسية والاقتصادية إلى خطاب عدائي تجاه الشعب والدولة التركية. وخلص إلى أن المطلوب هو التعاون حيث توجد مصلحة مشتركة، والمحاسبة حين تقتضيها المصلحة الوطنية، مع الحفاظ على رؤية استراتيجية بعيدة المدى.
وتأتي تصريحات الشيخ محمد إدريس في ظل نقاش صومالي متجدد حول طبيعة الشراكات الخارجية، ولا سيما العلاقات مع تركيا، التي توسعت خلال السنوات الماضية لتشمل مجالات اقتصادية وتنموية وأمنية وتعليمية وإنسانية. ويعكس هذا النقاش تعدد الآراء داخل المجتمع الصومالي بشأن تقييم الاتفاقيات والعلاقات الدولية، بين من يركز على المنافع والمشاريع التي تحققت، ومن يطالب بمزيد من التدقيق والشفافية وحماية الموارد والسيادة الوطنية.
وتعد العلاقات الصومالية التركية من العلاقات الخارجية التي شهدت توسعًا ملحوظًا خلال السنوات الماضية، مع تنامي التعاون بين البلدين في قطاعات متعددة، في مقدمتها التنمية والبنية التحتية والصحة والتعليم والأمن والاقتصاد. وفي المقابل، يظل تقييم الاتفاقيات والشراكات الخارجية موضوعًا حاضرًا في النقاش السياسي والمجتمعي الصومالي، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالموارد الطبيعية والسيادة والمصالح الاقتصادية. وبينما يؤكد مؤيدو التعاون أهمية الدعم والمشاريع والاستثمارات والشراكة الاستراتيجية، يشدد منتقدون على ضرورة ضمان الشفافية والمصلحة الوطنية والمحاسبة؛ وهو ما يجعل النقاش حول العلاقات الخارجية جزءًا من حوار أوسع بشأن كيفية بناء شراكات دولية متوازنة تحافظ على سيادة الصومال وتخدم مصالحها بعيدة المدى.













