مقديشو – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
أكد نائب رئيس الوزراء الأول في الحكومة الفيدرالية الصومالية، صالح أحمد جامع، أن الشعب الصومالي هو صاحب الحق الأصيل في تحديد طبيعة النظام الانتخابي ورسم ملامح المرحلة السياسية المقبلة، مشددًا على أن مستقبل الانتخابات لا يمكن أن يُحسم إلا من خلال الإرادة الشعبية والحوار الوطني الشامل، باعتبار أن الانتخابات تمثل حقًا سياديًا للمواطنين ومسارًا أساسيًا لترسيخ شرعية مؤسسات الدولة. وأضاف أن أي قرار يتعلق بشكل العملية الانتخابية أو آليات تنظيمها يجب أن يستند إلى المصلحة الوطنية العليا، وأن يعكس تطلعات الشعب الصومالي نحو نظام سياسي أكثر استقرارًا ومشاركة وعدالة.
وأوضح جامع أن النقاش حول الانتخابات المقبلة لا ينبغي اختزاله في خلاف سياسي بين أطراف متنافسة، بل يجب النظر إليه باعتباره نقاشًا وطنيًا واسعًا يتعلق بمستقبل الدولة الصومالية وطبيعة العلاقة بين المواطن والمؤسسات الحاكمة. وأشار إلى أن تطوير النظام الانتخابي يمثل جزءًا من مسار طويل لبناء دولة حديثة قادرة على تعزيز المشاركة السياسية، وترسيخ مبدأ تداول السلطة، وضمان أن تكون المؤسسات المنتخبة قائمة على إرادة المواطنين وثقتهم. وأكد أن المرحلة الحالية تتطلب رؤية مسؤولة تتجاوز الحسابات السياسية الآنية، وتركز على بناء نظام انتخابي يخدم استقرار البلاد للأجيال القادمة.
وجاءت تصريحات نائب رئيس الوزراء الأول في ظل استمرار الحراك السياسي المكثف حول مستقبل الانتخابات في الصومال، حيث تشهد الساحة الوطنية نقاشات متواصلة بين الحكومة الفيدرالية وقوى المعارضة بشأن الشكل الأنسب للعملية الانتخابية المقبلة. ففي الوقت الذي تؤكد فيه الحكومة أهمية الانتقال نحو نظام انتخابي يوسع دائرة المشاركة الشعبية ويمنح المواطنين دورًا مباشرًا في اختيار ممثليهم، ترى بعض القوى السياسية المعارضة أن أي تغيير جوهري في النظام الانتخابي يجب أن يسبقه توافق سياسي شامل يضمن قبول جميع الأطراف بالقواعد والإجراءات المنظمة للعملية.
وشدد على أن تحديد مستقبل الانتخابات ليس من اختصاص طرف سياسي واحد، وإنما هو مسؤولية وطنية مشتركة تتطلب مشاركة مختلف القوى السياسية والاجتماعية ومؤسسات الدولة ذات الصلة. وانتقد محاولات بعض الأطراف، بحسب وصفه، تقديم نفسها باعتبارها صاحبة القرار الوحيد في رسم مستقبل الانتخابات، مؤكدًا أن القضايا الوطنية الكبرى لا يمكن أن تُدار بمنطق الإقصاء أو الاحتكار السياسي. وأوضح أن الشرعية الحقيقية لأي موقف سياسي تستمد من احترام إرادة الشعب، والالتزام بالإطار الدستوري، والمساهمة الفعلية في بناء مؤسسات الدولة وخدمة المواطنين.
وبيّن نائب رئيس الوزراء الأول أن جوهر الخلاف السياسي القائم حول الانتخابات لا يتعلق بمبدأ إجراء الاستحقاق الانتخابي، إذ إن أهمية الانتخابات وضرورة استمرار المسار السياسي محل اتفاق عام، وإنما يتمحور الخلاف حول طبيعة النظام الانتخابي الذي ينبغي اعتماده في المرحلة المقبلة. وأوضح أن البلاد أمام نقاش تاريخي بين الاستمرار في نموذج الانتخابات غير المباشرة الذي اعتمدته خلال الفترات السابقة بسبب الظروف السياسية والأمنية، وبين التوجه نحو نظام انتخابي مباشر يسمح للمواطنين بالمشاركة بصورة أوسع في اختيار ممثليهم وقياداتهم السياسية عبر صناديق الاقتراع.
وأضاف صالح أحمد جامع أن الانتقال إلى انتخابات مباشرة يمثل تطورًا مهمًا في مسار بناء المؤسسات الديمقراطية، لكنه يحتاج إلى استعدادات شاملة تضمن نجاحه وعدم تحوله إلى مصدر جديد للأزمات السياسية. وأكد أن أي إصلاح انتخابي يجب أن يرافقه تطوير للإطار القانوني، وتعزيز قدرات المؤسسات الانتخابية، وضمان جاهزية الولايات الفيدرالية والمناطق المختلفة، إلى جانب توفير بيئة أمنية مستقرة تسمح بإجراء انتخابات حرة ونزيهة. وأشار إلى أن الهدف الأساسي ليس تغيير آلية التصويت فقط، وإنما بناء منظومة سياسية أكثر ارتباطًا بالمواطن وأكثر قدرة على التعبير عن إرادته.
وأكد نائب رئيس الوزراء الأول أن الحكومة الفيدرالية تنظر إلى توسيع المشاركة الشعبية باعتباره عنصرًا أساسيًا في تعزيز الاستقرار السياسي وترسيخ الثقة بين الدولة والمجتمع، موضحًا أن قوة أي نظام سياسي تعتمد على مدى شعور المواطنين بأن أصواتهم مسموعة وأن مشاركتهم مؤثرة في صناعة القرار. وأضاف أن الانتخابات المقبلة تمثل فرصة لتعزيز مسار المصالحة السياسية وبناء مؤسسات أكثر شمولًا، داعيًا جميع الأطراف إلى التعامل مع الملف الانتخابي بروح المسؤولية الوطنية، وتجنب الخطابات التي قد تؤدي إلى زيادة الانقسام أو تعميق الخلافات.
وأشار مراقبون سياسيون إلى أن تصريحات صالح أحمد جامع تعكس استمرار الجدل حول مستقبل النظام الانتخابي في الصومال، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات متعددة تتطلب قدرًا عاليًا من التوافق السياسي. ويرى المراقبون أن نجاح العملية الانتخابية المقبلة لن يعتمد فقط على الاتفاق بشأن طريقة التصويت، وإنما على قدرة مختلف الأطراف على بناء ثقة متبادلة، واحترام القواعد الدستورية، وتقديم حلول عملية تراعي التحولات السياسية والاجتماعية التي تشهدها البلاد. كما يؤكدون أن الحوار الوطني الواسع سيظل الطريق الأكثر أهمية للوصول إلى صيغة انتخابية مستقرة تحظى بالقبول الداخلي والدعم الإقليمي والدولي.
وتكتسب قضية الانتخابات أهمية إضافية في ظل مساعي الصومال لتعزيز مؤسسات الدولة وترسيخ تجربته الفيدرالية بعد سنوات طويلة من التحديات. ويرى خبراء أن الانتقال الديمقراطي الناجح يحتاج إلى تدرج مدروس يجمع بين الطموح نحو مشاركة شعبية أوسع وبين مراعاة الواقع المؤسسي والأمني، مؤكدين أن بناء الثقة بين الأطراف السياسية يمثل الأساس الحقيقي لأي عملية انتخابية ناجحة. ومن هذا المنطلق، فإن المرحلة المقبلة ستتطلب قيادة سياسية قادرة على إدارة الاختلافات عبر الحوار، وتحويل ملف الانتخابات من مصدر للتوتر إلى فرصة لتعزيز الوحدة الوطنية.
دخلت الصومال خلال السنوات الأخيرة مرحلة جديدة من النقاش حول مستقبل نظامها الانتخابي، في إطار جهود أوسع لاستكمال بناء مؤسسات الدولة وتعزيز الممارسة الديمقراطية. ومنذ اعتماد النظام الفيدرالي، واجهت البلاد تحديات حالت دون تطبيق انتخابات مباشرة على المستوى الوطني، ما دفعها إلى الاعتماد على نماذج انتخابية غير مباشرة كحلول انتقالية. ومع تحسن قدرات المؤسسات الوطنية وتزايد المطالب الشعبية بالمشاركة السياسية، أصبح الانتقال إلى نظام انتخابي أكثر شمولًا أحد أبرز الملفات المطروحة على الساحة السياسية.
ويجمع المراقبون على أن نجاح أي تحول انتخابي في الصومال يتطلب أكثر من مجرد تعديل القوانين أو تغيير آليات الاقتراع، إذ يحتاج إلى توافق سياسي واسع، ومؤسسات قادرة على إدارة العملية الانتخابية، وضمانات تكفل نزاهتها وشفافيتها. كما أن مستقبل الانتخابات سيظل مرتبطًا بقدرة القيادات السياسية على وضع مصلحة الدولة فوق الخلافات، وبناء مسار مشترك يرسخ ثقة المواطنين ويعزز استقرار الصومال ومستقبل نظامه الديمقراطي.














