مقديشو – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
قدّم حزب السلام والحياة، الذي يتزعمه الرئيس الصومالي السابق محمد عبد الله محمد (فرماجو)، تصورًا سياسيًا متكاملًا بشأن النموذج الانتخابي الذي يراه الأنسب لقيادة الصومال نحو مرحلة جديدة من الاستقرار السياسي والتوافق الوطني، وذلك خلال الجولة الثانية من المشاورات الانتخابية التي جمعت الحكومة الفيدرالية وعددًا من قوى المعارضة في العاصمة مقديشو. ويأتي هذا الطرح في ظل مساعٍ متواصلة لكسر حالة الجمود السياسي والتوصل إلى تفاهمات تمهد لإجراء انتخابات تحظى بثقة مختلف الأطراف، في وقت تتزايد فيه الدعوات الداخلية والدولية لإنجاز استحقاق انتخابي يقوم على التوافق ويحافظ على وحدة البلاد.
وعُقدت جولة الحوار برعاية الحكومة التركية، وبمشاركة الحكومة الفيدرالية وحزب السلام والحياة، إلى جانب حضور ممثلين عن تركيا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، في إطار الجهود الدولية الرامية إلى دعم الحوار بين القوى السياسية الصومالية وتقريب وجهات النظر بشأن مستقبل العملية الانتخابية. وركزت المناقشات، وفق ما أعلنه الفريق الفني للحزب، على تبادل الرؤى حول النموذج الانتخابي الأمثل، واستعراض المقترحات التي يمكن أن تسهم في تجاوز الخلافات السياسية الحالية والوصول إلى صيغة توافقية تحظى بقبول وطني واسع.
وأوضح الحزب أن رؤيته تقوم على عشرة مبادئ أساسية، تهدف إلى بناء عملية انتخابية تتسم بالوضوح والشفافية وسهولة التطبيق، وتضمن مشاركة المواطنين دون تعقيدات إجرائية، بحيث يتم التسجيل والتصويت في مكان واحد وخلال يوم واحد، مع تمكين جميع المواطنين المؤهلين من ممارسة حقهم الانتخابي بحرية كاملة. كما تتضمن الرؤية اعتماد نظام حزبي يمنح الناخبين فرصة اختيار الأحزاب مباشرة، على أن يجري توزيع المقاعد البرلمانية وفقًا لنسبة الأصوات التي يحصل عليها كل حزب، بما يعزز العدالة في التمثيل السياسي ويكرس مبدأ الاحتكام إلى الإرادة الشعبية.
وأكد الحزب أن نجاح أي عملية انتخابية لا يرتبط فقط بآلية الاقتراع، وإنما أيضًا بثقة جميع الأطراف في المؤسسات المشرفة عليها، وهو ما دفعه إلى التشديد على ضرورة إنشاء إدارة انتخابية مستقلة تحظى بثقة الحكومة والمعارضة معًا، وتوفير بيئة أمنية محايدة تكفل سلامة العملية الانتخابية في جميع مراحلها. كما شدّد على أن الانتخابات ينبغي أن تكون عاملًا لتعزيز الوحدة الوطنية وترسيخ الحريات السياسية، لا سببًا لتوسيع الانقسامات أو إنتاج أزمات جديدة، مؤكدًا استعداده لدعم أي صيغة يتوافق عليها الصوماليون، ما دامت تحافظ على مصالح الدولة والشعب وتحمي استقلال القرار الوطني.
وأشار الحزب إلى أن هذا التصور ليس مبادرة مستحدثة، بل يستند إلى مشروع انتخابي أُعد عام 2018 خلال فترة رئاسة محمد عبد الله محمد (فرماجو)، بمشاركة اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات ولجنة الحدود وعدد من المؤسسات الفنية الحكومية. وأضاف أن كثيرًا من المبادئ التي يتضمنها ذلك المشروع تتقاطع مع الرؤية التي تتبناها الحكومة الفيدرالية في الوقت الراهن، وهو ما قد يشكل أرضية مشتركة لتقريب المواقف، ويفتح المجال أمام توافق سياسي يضع حدًا للخلافات المستمرة حول شكل الانتخابات المقبلة.
ويرى مراقبون أن طرح حزب السلام والحياة يعكس تحولًا لافتًا في مسار النقاش السياسي، إذ يركز على تفاصيل النموذج الانتخابي وآليات تنفيذه أكثر من تركيزه على السجالات السياسية التقليدية، الأمر الذي قد يسهم في دفع الحوار نحو مناقشة القضايا الفنية والدستورية التي تشكل أساس أي عملية انتخابية ناجحة. كما يؤكد هذا الطرح أن الوصول إلى توافق وطني لن يتحقق إلا من خلال حوار شامل يشارك فيه جميع الفاعلين السياسيين، بما يضمن إجراء انتخابات تحظى بالمصداقية والقبول الشعبي، وتوفر أساسًا متينًا لاستكمال مسيرة بناء الدولة الصومالية.
تأتي هذه التطورات في مرحلة سياسية دقيقة تستعد فيها الصومال لصياغة ملامح استحقاقها الانتخابي المقبل، وسط تباين في الرؤى بين القوى السياسية بشأن آليات الاقتراع والإدارة الانتخابية. وبينما يواصل الشركاء الإقليميون والدوليون دعم جهود الحوار، يبقى نجاح العملية السياسية مرهونًا بقدرة الأطراف الصومالية على تغليب التوافق الوطني على المصالح الضيقة، وبناء نموذج انتخابي يعزز الثقة بالمؤسسات، ويكرس التداول السلمي للسلطة، ويفتح صفحة جديدة في مسيرة ترسيخ الديمقراطية والاستقرار وبناء الدولة الحديثة.














