مقديشو – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
استبعد رئيس الوزراء الصومالي الأسبق عمر عبد الرشيد علي شرمأركي بشكل واضح وقاطع أن تتجه ولاية بونتلاند نحو إعلان الاستقلال عن الحكومة الفيدرالية في الصومال، رغم ما تشهده العلاقة بين الجانبين من توترات سياسية متكررة وخلافات متصاعدة تمتد إلى ملفات دستورية وإدارية وأمنية واقتصادية، مؤكداً أن هذه الخلافات، في جوهرها، ما تزال ضمن الإطار السياسي القابل للمعالجة عبر الحوار والتفاهم والتوافق الوطني، وليس عبر خيارات الانفصال أو التصعيد الأحادي.
وقال شرمأركي، في مقابلة صحفية مطولة، إن العلاقة بين بونتلاند والحكومة الفيدرالية تمر بمرحلة حساسة تتسم بتداخل المصالح وتباين الرؤى حول إدارة الدولة وتقاسم الصلاحيات، إلا أن هذا التوتر – بحسب تقديره – لا يصل إلى مستوى يسمح بالقول إن هناك اتجاهاً فعلياً نحو الانفصال، مشيراً إلى أن التجربة السياسية الصومالية خلال العقود الماضية أثبتت أن الأزمات الكبرى، مهما بلغت حدتها، كانت في نهاية المطاف تُعالج عبر مسارات التفاوض والوساطات السياسية والتفاهمات المرحلية بين الأطراف.
وأضاف أن أحد أبرز التحديات في المشهد السياسي الصومالي يتمثل في انتقال الخلافات من مستوياتها الفنية والإدارية إلى ساحات سياسية أكثر حساسية، حيث يتم أحياناً تضخيم القضايا المرتبطة بالخدمات والأمن والتنمية لتتحول إلى عناوين صراع سياسي واسع، وهو ما يؤدي إلى تعقيد المشهد بدلاً من تبسيطه، ويضعف فرص الوصول إلى حلول عملية قابلة للتنفيذ على الأرض.
وأشار رئيس الوزراء الأسبق إلى أن شكاوى بونتلاند من الحكومة الفيدرالية ليست وليدة اللحظة، بل تمتد لسنوات طويلة، وتدور في معظمها حول قضايا تتعلق بتوزيع الصلاحيات، وإدارة الموارد، وطبيعة العلاقة بين المركز والولايات، إلا أنه شدد على أن هذه الشكاوى، رغم مشروعيتها السياسية في بعض جوانبها، لا تعني بالضرورة أنها ستقود إلى قرارات انفصالية أو تحركات أحادية الجانب، خاصة في ظل ما وصفه بوجود وعي سياسي داخل المجتمع في بونتلاند يدرك تعقيدات الوضع الوطني والإقليمي.
كما أوضح أن بونتلاند سبق أن اتخذت في فترات سابقة قرارات بتقييد أو تقليص التعاون مع بعض مؤسسات الحكومة الفيدرالية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على مستوى تنفيذ عدد من المشاريع التنموية والخدمية المشتركة، لا سيما تلك التي تعتمد على التنسيق المؤسسي بين المستويين المحلي والفيدرالي، الأمر الذي أدى إلى بطء في بعض البرامج وتأخر في تنفيذ خطط تنموية كانت مطروحة على الطاولة منذ سنوات.
وفي السياق ذاته، شدد شرماركي على أن استمرار غياب قنوات حوار منتظمة وفعّالة بين مقديشو وجاروي يمثل أحد أخطر العوامل التي تُبقي حالة الجمود السياسي قائمة، بل وتزيد من احتمالات سوء الفهم بين الطرفين، مؤكداً أن الحلول لا يمكن أن تُبنى على التصعيد أو تبادل الاتهامات أو القرارات الأحادية، وإنما عبر إعادة بناء الثقة السياسية تدريجياً، وتفعيل آليات التشاور المؤسسي، والعودة إلى إطار دستوري واضح يُنظم العلاقة بين المركز والولايات.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن مستقبل العلاقة بين الحكومة الفيدرالية وبونتلاند سيظل مرهوناً بمدى قدرة القيادات السياسية في الجانبين على تجاوز مرحلة التوتر الحالية، وبناء أرضية سياسية مشتركة تقوم على الحد الأدنى من التفاهم الوطني، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات أمنية واقتصادية واجتماعية متراكمة، تتطلب قدراً أعلى من الانسجام السياسي والتنسيق المؤسسي بدلاً من استمرار حالة التباعد والانقسام.
يعكس هذا الجدل المتجدد بين الحكومة الفيدرالية وبونتلاند إحدى أكثر الإشكاليات تعقيداً في بنية النظام السياسي الصومالي، والمتمثلة في العلاقة غير المستقرة بين المركز والولايات، حيث تتداخل الاعتبارات الدستورية مع الحسابات السياسية والمصالح المحلية، ما يجعل إدارة هذا التوازن أمراً بالغ الحساسية. وبينما تتكرر الدعوات إلى الحوار كخيار وحيد لتفادي الانزلاق نحو مزيد من التوتر، يبقى التحدي الحقيقي في تحويل هذه الدعوات إلى آليات تنفيذية مستدامة تعالج جذور الخلاف، وتؤسس لمرحلة أكثر استقراراً في مسار بناء الدولة الصومالية الحديثة.














