هرجيسا – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
تشهد الساحة السياسية في صوماليلاند تصاعدًا في حدة التوتر بين إدارة الرئيس عبد الرحمن محمد عبد الله «عِرّو» وأحزاب المعارضة، وفي مقدمتها حزبا كلميه وكاه، على خلفية خلافات متزايدة بشأن إدارة المرحلة السياسية الحالية، واتجاهات الحكم، ومستقبل العملية الانتخابية. ويأتي هذا التصعيد في وقت تحاول فيه الإدارة الجديدة ترسيخ حضورها السياسي بعد انتقال السلطة، بينما تسعى القوى المعارضة إلى الحفاظ على دورها الرقابي وموقعها داخل المشهد العام، ما جعل العلاقة بين الجانبين تدخل مرحلة جديدة من التجاذب حول عدد من الملفات الداخلية والخارجية.
وبحسب مصادر سياسية مطلعة، شهدت الفترة الأخيرة تداول معلومات تتحدث عن وجود خلافات داخل صفوف بعض أحزاب المعارضة، حيث أشارت تقارير إلى أن شخصيات مرتبطة بحزب ودّاني الحاكم تحدثت عن ظهور تباينات داخل حزب كلميه، إضافة إلى أحاديث مشابهة حول وجود اختلافات بين قيادات حزب كاه. ويرى مراقبون أن إثارة هذه الملفات تعكس طبيعة المنافسة السياسية في المرحلة الراهنة، حيث أصبحت وحدة الأحزاب وتماسكها الداخلي جزءًا من الصراع السياسي، باعتبارها عنصرًا مؤثرًا في القدرة على التأثير في الرأي العام والحفاظ على النفوذ.
ورفض حزبا كلميه وكاه هذه الادعاءات، واعتبراها محاولات سياسية تهدف إلى إضعاف المعارضة والتقليل من قدرتها على أداء دورها. وأكد الحزبان أن صفوفهما ما تزال متماسكة، وأن النقاشات الداخلية أو اختلاف وجهات النظر تعد جزءًا طبيعيًا من العمل الحزبي ولا تعني وجود أزمة تنظيمية. كما اتهما إدارة عِرّو بمحاولة تحويل النقاش العام بعيدًا عن القضايا التي تواجه فيها الحكومة انتقادات، مؤكدين أن الأولوية يجب أن تكون لمناقشة أداء السلطة والسياسات العامة والملفات الوطنية ذات الأولوية.
وفي المقابل، ترى أطراف مقربة من الحكومة أن الانتقادات الصادرة عن المعارضة تأتي في إطار المنافسة السياسية الطبيعية، وأن الإدارة الجديدة تحتاج إلى الوقت الكافي لتنفيذ برنامجها ومعالجة التحديات القائمة. وتؤكد هذه الأطراف أن المرحلة الحالية تتطلب تعاونًا بين مختلف القوى السياسية، بدلًا من تصعيد الخلافات، مشيرة إلى أن تقييم الحكومة يجب أن يستند إلى أدائها ونتائج عملها خلال الفترة المقبلة.
ويتركز جانب كبير من الخلاف السياسي بين الطرفين حول ملف الانتخابات، الذي يعد من أكثر القضايا حساسية في المشهد الحالي، حيث تتهم المعارضة إدارة عِرّو بعدم الالتزام بالمواعيد المحددة للاستحقاقات الانتخابية، معتبرة أن أي تأخير أو غموض في هذا الملف قد يؤثر على الثقة بالعملية السياسية. وفي المقابل، ترفض الحكومة هذه الاتهامات، مؤكدة التزامها بالمسار الديمقراطي، لكنها تشدد على أن تنظيم انتخابات ناجحة يتطلب ترتيبات قانونية ومؤسسية تضمن نزاهة العملية وقبول نتائجها من مختلف الأطراف.
كما امتدت الخلافات إلى بعض الملفات الخارجية التي أصبحت جزءًا من النقاش السياسي الداخلي، ولا سيما ما أثير حول اتصالات الإدارة مع إسرائيل، حيث ترى المعارضة أن هذه القضايا تحتاج إلى مزيد من الشفافية والحوار الوطني، بينما تؤكد الحكومة أن تحركاتها الخارجية تأتي ضمن رؤيتها السياسية وخدمة مصالح صوماليلاند. ويعكس هذا الجدل اتساع دائرة المنافسة بين الطرفين، بحيث لم تعد الخلافات مقتصرة على إدارة الشأن الداخلي، بل أصبحت تشمل تقييم توجهات الحكومة وعلاقاتها الخارجية.
ويرى مراقبون أن استمرار حالة التوتر بين الحكومة والمعارضة قد يؤدي إلى زيادة حالة الاستقطاب السياسي إذا لم تتم إدارة الخلافات عبر الحوار والمؤسسات، محذرين من أن انتقال المنافسة السياسية إلى مواجهة مفتوحة قد يؤثر على الاستقرار الداخلي ويعرقل معالجة الملفات الوطنية. وفي الوقت ذاته، فإن قدرة الطرفين على العودة إلى لغة التفاهم والتوافق قد تمثل فرصة لتعزيز التجربة السياسية في صوماليلاند والحفاظ على تقاليد الحوار التي شكلت أحد عوامل الاستقرار خلال العقود الماضية.
تأتي هذه التطورات في مرحلة سياسية مفصلية بالنسبة لصوماليلاند، التي تمر بعملية إعادة ترتيب داخلية بعد انتقال السلطة إلى قيادة جديدة، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى الحفاظ على التوازن بين متطلبات الحكم وحقوق المعارضة في المشاركة والرقابة. وبينما تسعى الحكومة إلى تثبيت شرعيتها وتنفيذ برنامجها السياسي، تحاول المعارضة الحفاظ على حضورها ودورها في توجيه النقاش العام، ما يجعل العلاقة بين الطرفين عاملًا حاسمًا في تحديد طبيعة المرحلة المقبلة.
وتبقى قدرة القوى السياسية على إدارة خلافاتها ضمن إطار مؤسسي وسلمي الاختبار الأهم للتجربة السياسية في صوماليلاند، إذ إن الحفاظ على ثقافة الحوار والتوافق لن يكون مهمًا فقط لتجاوز الأزمة الحالية، بل سيكون أساسًا لتعزيز الاستقرار السياسي وبناء مؤسسات أكثر قدرة على الاستجابة لتطلعات المجتمع خلال السنوات القادمة.














