أديس أبابا – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
بدأت في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، أمس الأربعاء، أعمال مؤتمر حوار وطني واسع يشارك فيه أكثر من أربعة آلاف ممثل عن مختلف الأقاليم والقوميات الإثيوبية، في إطار مشاورات سياسية ومجتمعية تستمر لمدة ثلاثة أسابيع، وسط توقعات بأن تشكل مخرجات المؤتمر محطة مهمة في تحديد مستقبل النظام السياسي والإداري للبلاد. وتتصدر ملفات مراجعة الدستور وإعادة تقييم طبيعة النظام الفيدرالي القائم على أساس القوميات جدول أعمال المناقشات، في ظل توجهات لإجراء تغييرات قد تمثل تحولًا كبيرًا في شكل الدولة الإثيوبية خلال المرحلة المقبلة.
وتشير المقترحات المطروحة من قبل الحزب الحاكم، حزب الازدهار، إلى توجه نحو إعادة صياغة طبيعة النظام السياسي في البلاد، من خلال الانتقال من نموذج الفيدرالية القومية الذي تأسس عام 1995 إلى نظام أكثر اعتمادًا على مفهوم الدولة الوطنية الموحدة. وتشمل هذه المقترحات مراجعة عدد من المبادئ الدستورية المرتبطة بحقوق القوميات وصلاحيات الأقاليم، إلى جانب بحث مستقبل العلاقة بين الحكومة المركزية والإدارات الإقليمية، بما ينسجم مع رؤية الحزب لتعزيز مؤسسات الدولة وتقوية مفهوم المواطنة المشتركة.
ويرى مؤيدو التعديلات المقترحة أن النظام الفيدرالي الحالي، الذي منح القوميات دورًا أساسيًا في إدارة الأقاليم، ساهم خلال السنوات الماضية في تعميق الانقسامات المرتبطة بالهوية العرقية والقومية، وأدى إلى تصاعد خلافات سياسية وأمنية مرتبطة بالحدود والنفوذ وتقاسم السلطة. ويؤكد هؤلاء أن الانتقال إلى نموذج يقوم على أساس الهوية الوطنية الموحدة قد يساعد في تقليل الصراعات الداخلية، وتعزيز الاستقرار، وبناء مؤسسات حكومية أكثر قدرة على إدارة التحديات الوطنية.
ومن أبرز التغييرات التي يقترحها حزب الازدهار تعديل العبارة الافتتاحية في الدستور الإثيوبي، التي تشير إلى “القوميات والعرقيات والشعوب الإثيوبية”، واستبدالها بصياغة تؤكد مفهوم “الشعب الإثيوبي الموحد المكون من أمم متعددة”. ويعتبر الحزب أن هذه الخطوة تهدف إلى تعزيز الانتماء الوطني المشترك، مع الحفاظ على التنوع الثقافي والاجتماعي الذي يميز البلاد، بعيدًا عن جعل الانتماءات القومية الأساس الرئيسي للنظام السياسي.
وفي المقابل، تحذر قوى معارضة ومكونات سياسية ومجتمعية من أن تقليص صلاحيات الأقاليم أو تعديل الحقوق الدستورية المرتبطة بالقوميات قد يؤدي إلى توترات جديدة، معتبرة أن الفيدرالية القومية جاءت بعد سقوط نظام “الدرغ” العسكري بهدف ضمان مشاركة المكونات المختلفة في إدارة شؤونها والحفاظ على هوياتها الثقافية والسياسية. ويرى المعارضون أن أي إصلاح دستوري يجب أن يقوم على توافق واسع بين مختلف الأطراف، بما يضمن عدم المساس بالتوازنات التي يقوم عليها النظام الحالي.
وتشمل النقاشات المتعلقة بمراجعة الدستور أيضًا مقترحات لتعزيز صلاحيات الحكومة المركزية، وإعادة النظر في وضع المدن الفيدرالية مثل أديس أبابا وديري داوا، إضافة إلى مراجعة نظام البرلمان وطريقة اختيار قيادة الدولة. كما ظهرت مقترحات تتحدث عن إمكانية تبني نظام سياسي أقرب إلى النظام الرئاسي، بما يمنح رئيس الدولة صلاحيات تنفيذية واسعة، وهو ما قد يؤدي إلى تغييرات عميقة في بنية الحكم وتوزيع السلطات داخل البلاد.
ويرى مراقبون أن أي تغيير جوهري في طبيعة النظام الفيدرالي الإثيوبي سيمثل تحولًا سياسيًا تاريخيًا، نظرًا لأن البلاد اعتمدت هذا النموذج لما يقارب ثلاثة عقود لإدارة التنوع القومي والثقافي. ويؤكدون أن نجاح أي عملية إصلاح دستوري سيعتمد على قدرة الأطراف السياسية والمجتمعية على تحقيق توازن بين بناء دولة قوية وموحدة، والحفاظ على الحقوق التي تتمتع بها مختلف القوميات والمكونات الإثيوبية.
اعتمدت إثيوبيا النظام الفيدرالي القائم على أساس القوميات عام 1995 عقب سقوط نظام “الدرغ” العسكري، حيث منح الدستور الأقاليم صلاحيات واسعة في إدارة شؤونها، واعترف بحقوق القوميات والعرقيات والشعوب الإثيوبية ضمن إطار الدولة الفيدرالية. وكان الهدف من هذا النظام معالجة قضايا التهميش التاريخي، ومنح المكونات المختلفة دورًا أكبر في إدارة السلطة والحفاظ على التنوع الثقافي والسياسي في البلاد.
وخلال السنوات الأخيرة، تصاعد الجدل حول مستقبل هذا النموذج بين من يرى أنه وفر إطارًا لحماية التنوع الإثيوبي وضمان مشاركة القوميات، ومن يعتبر أنه ساهم في تعميق الانقسامات وإضعاف مفهوم الدولة الموحدة. وفي حال اعتماد التعديلات المقترحة، قد تدخل إثيوبيا مرحلة سياسية جديدة تعيد رسم شكل الحكم والعلاقة بين المركز والأقاليم بعد نحو ثلاثين عامًا من العمل بنظام الفيدرالية القومية.














