مقديشو – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
في خطوة اقتصادية تعكس توجه الدولة الصومالية نحو تعزيز سيادتها المالية وإعادة بناء مؤسساتها النقدية، تستعد الحكومة الفيدرالية الصومالية لإطلاق عملة وطنية جديدة خلال الفترة المقبلة، في مشروع يمثل أحد أبرز التحولات الاقتصادية المنتظرة في البلاد. وتأتي هذه الخطوة في وقت تسعى فيه الصومال إلى معالجة التحديات التي واجهت نظامها النقدي خلال العقود الماضية، وتعزيز الثقة بالعملة المحلية، وبناء بيئة اقتصادية أكثر استقرارًا قادرة على دعم التجارة والاستثمار والتنمية الوطنية.
وأعلنت وزارة المالية في الحكومة الفيدرالية الصومالية أن عملية إصدار العملة الجديدة وصلت إلى مراحل متقدمة، وأن الترتيبات الفنية والإدارية المرتبطة بالمشروع باتت في مراحلها الأخيرة. وأوضحت الوزارة أن العملة المرتقبة تهدف إلى إيجاد نظام نقدي أكثر توافقًا مع طبيعة الاقتصاد الصومالي واحتياجات السوق المحلية، ضمن خطة أوسع لإصلاح القطاع المالي وتعزيز قدرة مؤسسات الدولة على إدارة السياسة النقدية بصورة أكثر فاعلية.
وأكد وزير المالية في الحكومة الفيدرالية الصومالية بيحي إيمان أن الحكومة ملتزمة بإصدار عملة جديدة تتناسب مع متطلبات الاقتصاد الوطني وتكون قادرة على استبدال الشلن الصومالي الحالي، مشددًا على أن هذا المشروع لا يتعلق بمجرد طباعة أوراق نقدية، وإنما يمثل عملية اقتصادية تحتاج إلى دراسة دقيقة وشاملة قبل تنفيذها.
وأوضح الوزير أن أي عملية لإصدار عملة جديدة يجب أن تراعي استقرار الاقتصاد الوطني، وتجنب أي آثار قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم أو التأثير على القوة الشرائية للمواطنين. وأضاف أن الحكومة تعمل على ضمان أن تتم عملية الانتقال النقدي وفق أسس مدروسة، وبما يحافظ على استقرار الأسواق ويعزز ثقة المواطنين والقطاع التجاري بالنظام المالي الجديد.
وفيما يتعلق بالتقارير التي تحدثت عن طباعة الشلن الصومالي في الخارج، وخاصة ما أثير بشأن طباعته في السودان، أوضح وزير المالية أن تلك الإصدارات ارتبطت بظروف سياسية سابقة، مشيرًا إلى أن الحكومة تعمل حاليًا على إصدار عملة جديدة ضمن إطار رسمي ومنظم يختلف عن التجارب السابقة. وأكد أن الهدف هو بناء نظام نقدي أكثر شفافية، وإنهاء حالة الاضطراب التي أثرت على التعاملات المالية خلال السنوات الماضية.
ويأتي الإعلان عن العملة الجديدة في ظل تراجع تدريجي في استخدام الشلن الصومالي، خاصة في العاصمة مقديشو، حيث شهدت بعض الأسواق والأنشطة التجارية انخفاضًا في الاعتماد عليه خلال الفترة الأخيرة. وقد انعكست هذه التطورات على حركة البيع والشراء، وأثرت على المواطنين والتجار، الأمر الذي دفع الحكومة إلى تسريع جهودها لإيجاد حلول عملية تعيد تنظيم التداول النقدي وتوفر أداة مالية أكثر استقرارًا.
ويرى اقتصاديون أن نجاح مشروع العملة الجديدة لن يعتمد على إصدارها فقط، بل على قدرة الحكومة على تنفيذ إصلاحات اقتصادية مرافقة تشمل تطوير القطاع المصرفي، وتعزيز الرقابة المالية، وتحسين إدارة الإيرادات العامة، ومكافحة التداول غير المنظم للعملات. وأكدوا أن بناء الثقة بالعملة الجديدة يمثل العامل الأهم في نجاحها، لأن استقرار أي نظام نقدي يرتبط بقدرة الدولة على الحفاظ على قيمته وتوفير بيئة اقتصادية داعمة.
وأشار خبراء اقتصاديون إلى أن امتلاك الصومال لعملة وطنية مستقرة يمكن أن يشكل نقطة تحول مهمة في مسار الاقتصاد الوطني، من خلال تحسين مناخ الاستثمار، وتسهيل حركة التجارة، وتعزيز قدرة الدولة على التخطيط المالي طويل الأمد. كما أوضحوا أن إصلاح النظام النقدي يمكن أن يساعد البلاد على الانتقال تدريجيًا نحو اقتصاد أكثر اعتمادًا على موارده الداخلية، وأقل ارتباطًا بالحلول المؤقتة.
وتؤكد الحكومة الفيدرالية أن مشروع العملة الجديدة يأتي ضمن رؤية اقتصادية شاملة تهدف إلى تعزيز مؤسسات الدولة، ورفع كفاءة الإدارة المالية، ودعم مسار التنمية الوطنية. ويرى مراقبون أن نجاح هذه الخطوة قد يمثل رسالة مهمة حول قدرة الصومال على تنفيذ إصلاحات اقتصادية استراتيجية، شريطة أن ترافقها سياسات مالية مسؤولة وإجراءات واضحة تضمن حماية المواطنين وتعزيز الاستقرار الاقتصادي.
يمثل ملف العملة الوطنية في الصومال واحدًا من أكثر الملفات الاقتصادية حساسية وتعقيدًا، إذ تأثرت قدرة البلاد على إدارة نظام نقدي مستقر بسبب سنوات طويلة من الصراع وضعف المؤسسات المالية، ما أدى إلى تراجع دور الشلن الصومالي وظهور تحديات مرتبطة بتعدد الإصدارات وضعف الرقابة على التداول. ومع استمرار جهود إعادة بناء الدولة وتعزيز مؤسساتها الاقتصادية، أصبح إصلاح النظام النقدي أولوية وطنية ضمن مساعي الحكومة الفيدرالية لبناء اقتصاد حديث وأكثر تنظيمًا. وتراهن الصومال على أن إصدار عملة وطنية جديدة، إلى جانب تطوير المؤسسات المالية وتحسين السياسات الاقتصادية، يمكن أن يعيد الثقة بالاقتصاد، ويدعم الاستثمار، ويعزز مسيرة التنمية والاستقرار خلال المرحلة المقبلة.














