هرجيسا – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
في مشهد إنساني يعكس تصاعد القلق بشأن واقع الخدمات الصحية المتخصصة في أرض الصومال، خرج عشرات المرضى المصابين بأمراض الكلى، الأربعاء، في احتجاج أمام القصر الرئاسي ومقر مجلس النواب بمدينة هرجيسا، مطالبين الحكومة باتخاذ إجراءات عاجلة لتحسين خدمات غسيل الكلى في مستشفى هرجيسا العام، وتوفير الأجهزة والمستلزمات الطبية الضرورية لضمان حصولهم على رعاية صحية مناسبة ومستقرة.
وقال المرضى المشاركون في الاحتجاج إن خدمات غسيل الكلى الحالية لا تزال تواجه تحديات كبيرة، مؤكدين أن نقص الأجهزة الطبية وارتفاع تكاليف الأدوية والمستلزمات العلاجية أصبح يمثل عبئًا إضافيًا عليهم وعلى أسرهم، رغم المناشدات المتكررة التي وجهوها إلى الجهات الحكومية المختصة من أجل التدخل ومعالجة الأزمة.
وأوضح المحتجون أن معاناتهم لا تقتصر على طبيعة المرض المزمن الذي يحتاج إلى جلسات علاج منتظمة، وإنما تمتد إلى الصعوبات المرتبطة بالحصول على الخدمة الطبية في الوقت المناسب، مشيرين إلى أن محدودية الإمكانيات المتوفرة داخل المستشفى تؤثر على قدرتهم في تلقي العلاج بالشكل الذي يتناسب مع احتياجاتهم الصحية.
وظهر عدد من المرضى خلال الاحتجاج في حالة صحية متعبة، حيث بدت عليهم علامات الإرهاق والضعف نتيجة معاناتهم الطويلة مع المرض واعتمادهم المستمر على جلسات الغسيل الكلوي، الأمر الذي دفع ناشطين ومواطنين إلى التعبير عن تضامنهم معهم والمطالبة بإيجاد حلول عاجلة تخفف من معاناتهم.
وقال أحد المشاركين في الاحتجاج إن المرضى يريدون أن تصل أصواتهم إلى الرئيس والحكومة، مؤكدًا أن مطلبهم الأساسي يتمثل في تحسين مستوى الخدمات وتوفير أجهزة غسيل كافية، إلى جانب ضمان توفر الأدوية والمستلزمات الطبية بأسعار مناسبة أو مجانًا، بما يتيح لهم مواصلة العلاج دون أعباء إضافية.
وأضاف المرضى أنهم سبق أن تقدموا بمطالب وشكاوى إلى الرئيس عبد الرحمن محمد عبد الله عِرّو، إلا أنهم لم يشهدوا، بحسب تصريحاتهم، تحسنًا ملموسًا في مستوى الخدمات داخل وحدة غسيل الكلى في مستشفى هرجيسا العام، وهو ما دفعهم إلى تنظيم الاحتجاج أمام المؤسسات الرسمية للمطالبة بتحرك أكثر فاعلية.
وحظيت الاحتجاجات بتفاعل واسع في الأوساط المجتمعية ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث دعا العديد من المواطنين والناشطين إلى ضرورة التعامل مع قضية مرضى الكلى باعتبارها ملفًا إنسانيًا وصحيًا عاجلًا، خاصة في ظل اعتماد مئات المرضى على هذه الخدمة الحيوية بشكل مستمر.
وفي هذا السياق، دعا المحامي الحقوقي غوليد أحمد دَفَع إلى دعم المرضى والوقوف إلى جانبهم، معتبرًا أن تحسين الخدمات الصحية الخاصة بمرضى الغسيل الكلوي مسؤولية مشتركة بين الحكومة والمجتمع، وأن المرضى بحاجة إلى حلول عملية تضمن حصولهم على العلاج في ظروف تحفظ كرامتهم.
وقال دَفَع إن المجتمع يجب أن يرفع صوته دعمًا للأشخاص الذين يخضعون لجلسات الغسيل الكلوي، مشددًا على أهمية تعزيز الاهتمام بالخدمات الصحية المتخصصة، وتوفير بيئة علاجية أكثر ملاءمة للفئات التي تعتمد حياتها على استمرار هذه الخدمات.
من جانبها، أقرت إدارة مستشفى هرجيسا العام بأن الطلب على خدمات غسيل الكلى يفوق القدرة الحالية للمرفق الصحي، مشيرة إلى أن عدد المرضى المحتاجين إلى العلاج يتزايد مقارنة بعدد الأجهزة المتوفرة داخل الوحدة.
وقال نائب مدير المستشفى إن المؤسسة لا تمتلك في الوقت الحالي العدد الكافي من أجهزة الغسيل لتلبية جميع الاحتياجات، لكنه أكد أن الطواقم الطبية تقدم أفضل مستوى ممكن من الرعاية ضمن الإمكانيات المتاحة، مشيرًا إلى أن أجهزة إضافية تم طلبها ومن المتوقع وصولها خلال الفترة المقبلة.
وأكد المسؤول الصحي أن المستشفى يعمل على تحسين مستوى الخدمات وتخفيف الضغط عن وحدة غسيل الكلى، موضحًا أن وصول المعدات الجديدة سيسهم في زيادة القدرة التشغيلية وتحسين فرص حصول المرضى على جلساتهم العلاجية بشكل أكثر انتظامًا.
وفي المقابل، رفضت حكومة أرض الصومال الاتهامات التي تحدثت عن إهمال مرضى الكلى، مؤكدة أن خدمات غسيل الكلى مستمرة في مستشفيات هرجيسا وبرعو وبوراو، وأن الحكومة تقوم بتمويل العلاج وتوفير الاحتياجات الأساسية المرتبطة بهذه الخدمات.
وقال وزير تنمية الصحة الدكتور حسين بشير حرسي إن الحكومة استجابت لعدد من الشكاوى التي تقدم بها المرضى، موضحًا أنها قررت توفير بعض المستلزمات الطبية مجانًا، إلى جانب التأكيد على عدم فرض أي رسوم على جلسات غسيل الكلى.
وأضاف الوزير أن الحكومة اتخذت خطوات لإعادة تنظيم إدارة وحدة غسيل الكلى، بعد تلقي شكاوى تتعلق بأسلوب الإدارة، حيث تم تغيير القيادة وتعيين طبيب جديد تم اختياره بالتنسيق مع المرضى، بهدف تحسين مستوى الأداء وتعزيز الثقة بين الوحدة والمستفيدين من خدماتها.
وأشار حرسي إلى أن الحكومة خصصت ميزانية لتطوير خدمات غسيل الكلى، كما قامت بشراء معدات طبية جديدة تعد من أكبر الشحنات التي تم توفيرها للقطاع الصحي في أرض الصومال، مؤكدًا أن الهدف هو توسيع قدرة المستشفيات على التعامل مع أعداد المرضى المتزايدة.
غير أن تصريحات وزير الصحة بشأن وجود جهات أجنبية تقف خلف الاحتجاجات أثارت انتقادات من حزب كاه المعارض، الذي اعتبر أن هذه التصريحات لا تتناسب مع طبيعة مطالب المرضى، داعيًا الحكومة إلى التركيز على معالجة أوجه القصور بدلًا من توجيه الاتهامات للمحتجين.
وقال الحزب إن وزارة الصحة مطالبة بالاستماع إلى المرضى، والتحقيق في المشكلات التي تواجههم، والعمل على تطوير الخدمات الصحية، مؤكدًا أن مطالب المواطنين بالحصول على علاج أفضل يجب التعامل معها باعتبارها حقوقًا أساسية وليست قضايا سياسية.
وتأتي هذه الأزمة في ظل استمرار الانتقادات الموجهة إلى أداء القطاع الصحي في أرض الصومال، حيث تحدث منتقدون خلال الأشهر الماضية عن وجود مشكلات تتعلق بالإدارة والشفافية داخل بعض المؤسسات الصحية، معتبرين أن هذه التحديات أثرت على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
ولم تصدر وزارة تنمية الصحة أو إدارة مستشفى هرجيسا العام ردودًا تفصيلية بشأن تلك الاتهامات، في وقت تتواصل فيه الدعوات إلى تعزيز الرقابة وتحسين الإدارة الصحية وضمان وصول الخدمات الطبية إلى جميع المواطنين بصورة أكثر عدالة وكفاءة.
يشكل قطاع الصحة في أرض الصومال أحد الملفات الحيوية التي تتطلب اهتمامًا مستمرًا، في ظل التحديات المرتبطة بمحدودية الموارد، وارتفاع تكاليف الخدمات الطبية المتخصصة، والحاجة إلى تطوير البنية التحتية الصحية بما يتناسب مع الاحتياجات المتزايدة للسكان.
وتبرز خدمات غسيل الكلى باعتبارها من أكثر المجالات حساسية، نظرًا لاعتماد المرضى عليها بشكل منتظم ومستمر، ما يجعل توفير الأجهزة الطبية، وتأهيل الكوادر الصحية، وضمان توفر الأدوية والمستلزمات، عناصر أساسية للحفاظ على حياة المرضى وتحسين جودة الرعاية الصحية.
ويرى مراقبون أن معالجة هذه الأزمة تحتاج إلى رؤية طويلة المدى تتجاوز الحلول المؤقتة، من خلال بناء منظومة صحية أكثر قدرة على الاستجابة للأمراض المزمنة، وتعزيز الشفافية، وتطوير إدارة المستشفيات، بما يساهم في بناء قطاع صحي أكثر استدامة يخدم المواطنين ويحظى بثقتهم.














