مقديشو – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
في سياق مساعي الصومال للتعافي من آثار الدمار والانهيار المؤسسي الذي أعقب سقوط الدولة المركزية عام 1991، تمضي البلاد نحو استعادة إحدى مؤسساتها الوطنية في قطاع النقل الجوي، مع اقتراب الخطوط الجوية الصومالية من استئناف رحلاتها في سبتمبر المقبل، بعد توقف تجاوز 35 عامًا. وتمثل عودة الناقل الوطني المرتقبة جانبًا من مسار أوسع لإعادة بناء المؤسسات والخدمات الوطنية، واستعادة القدرات التي تضررت خلال عقود من الاضطراب، بما يعزز الربط الجوي ويدعم النشاط الاقتصادي والتجاري.
وقال مدير هيئة الطيران المدني الصومالية، أحمد معلم، يوم السبت، إن الاستعدادات الخاصة بإعادة إطلاق الخطوط الجوية الصومالية اكتملت، متوقعًا أن تبدأ الرحلات خلال سبتمبر 2026. ويأتي الإعلان بعد سنوات من الخطط والمحاولات الرامية إلى إعادة تشغيل الناقل الوطني، بما في ذلك مواعيد سابقة أعلنتها الحكومة ولم يتحقق خلالها الاستئناف الفعلي، ما يجعل الموعد الجديد محطة مهمة لقياس مدى اكتمال الجاهزية الفنية والتشغيلية للشركة.
وكانت الحكومة قد أعلنت في يوليو 2025 شراء طائرتين من طراز «إيرباص A320» ضمن خطة إعادة إحياء الخطوط الجوية الصومالية، حيث جرى توقيع الاتفاق في مكتب رئيس الوزراء حمزة عبدي بري، وأعلن عنه آنذاك وزير النقل والطيران المدني محمد فارح نوح، الذي أوضح أن الطائرتين ستدخلان الخدمة تحت اسم الخطوط الجوية الصومالية خلال شهرين. وفي أكتوبر من العام نفسه، أعلنت وزارة النقل والطيران المدني أن الناقل الوطني سيستأنف عملياته قبل نهاية 2025، مع تأكيدات بأن الاستعدادات بلغت مراحلها النهائية، إلا أن التشغيل لم يبدأ وفق الموعد المعلن.
وتأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه مطار آدم عدي الدولي في مقديشو حركة نشطة لشركات طيران دولية، من بينها الخطوط الجوية الإثيوبية والخطوط الجوية القطرية والخطوط الجوية التركية. ومن شأن عودة الناقل الوطني إلى الخدمة أن تضيف خيارًا صوماليًا إلى سوق النقل الجوي، وأن تفتح المجال أمام تطوير شبكة رحلات تربط البلاد بوجهات إقليمية ودولية، فضلًا عن دعم حركة المسافرين ورجال الأعمال والتجارة، وفقًا للقدرات التشغيلية والخطط التي ستعتمدها الشركة.
ولا تقتصر أهمية إعادة تشغيل الخطوط الجوية الصومالية على استعادة خدمة النقل الجوي، بل تمتد إلى دعم مسار التعافي الاقتصادي والمؤسسي، من خلال تطوير الخبرات المحلية في مجالات الطيران والتشغيل والصيانة والخدمات الأرضية، وتوفير فرص للتوظيف والتدريب، وتعزيز حركة الأعمال والاستثمار. كما يمكن لوجود ناقل وطني فعال أن يسهم في تعزيز قدرة الصومال على إدارة جزء من منظومة النقل الجوي بصورة أكثر استقلالية، شريطة ضمان الكفاءة التشغيلية والاستدامة المالية والالتزام الصارم بمعايير السلامة الدولية.
ويحمل استئناف الرحلات أيضًا دلالة رمزية مرتبطة بإعادة بناء مؤسسات الدولة التي تعرضت للتفكك عقب عام 1991، إذ تمثل عودة مؤسسة وطنية عريقة إلى النشاط صورة من صور استعادة القدرات التي فقدتها الصومال خلال سنوات الانهيار. وفي الوقت نفسه، فإن نجاح المشروع يتوقف على تحويل الإعلان إلى عمليات منتظمة، وعلى قدرة الجهات المعنية على توفير البنية الفنية والإدارية والموارد البشرية اللازمة، وبناء نموذج تشغيلي يستجيب لاحتياجات السوق ويضمن استمرارية الخدمة.
يذكر أن الخطوط الجوية الصومالية تأسست عام 1964، وظلت لعقود تمثل الناقل الوطني للبلاد، قبل أن تتوقف عملياتها عقب انهيار الدولة المركزية عام 1991، لتغيب عن حركة الطيران التجاري لأكثر من ثلاثة عقود. وخلال هذه الفترة، اعتمدت الصومال بصورة أساسية على شركات طيران أجنبية لتوفير خدمات النقل الجوي، فيما ظلت خطط إعادة إحياء الناقل الوطني مطروحة ضمن جهود إعادة بناء مؤسسات الدولة. ومع اقتراب سبتمبر المقبل، يترقب قطاع الطيران الصومالي مدى قدرة السلطات على ترجمة هذه الخطط إلى تشغيل فعلي ومستدام، بما يتطلب جاهزية الطائرات والمنشآت والخدمات الفنية، وتوفير الكوادر المؤهلة، والالتزام بمعايير السلامة الجوية، إلى جانب تطوير نموذج مالي وتشغيلي قادر على الاستمرار والمنافسة وتعزيز دور الطيران في مسار التعافي الاقتصادي والمؤسسي للصومال.














