مقديشو – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
بالرغم من تراجع بعض أشكال الدعم والمنح الدولية التي اعتمدت عليها الصومال لسنوات، واصل الاقتصاد الصومالي نموه خلال عام 2025، مسجلًا ارتفاعًا بنسبة 3.1 بالمائة وفق ما أعلنته الحكومة الفيدرالية، في مؤشر يعكس قدرة النشاط الاقتصادي المحلي على الحفاظ على مسار النمو في ظل بيئة تمويل خارجي أكثر صعوبة، لكنه يضع في الوقت ذاته أمام الحكومة تحديًا يتمثل في تحويل هذا النمو إلى موارد داخلية مستدامة تساعد على تقليص الاعتماد على المساعدات الخارجية.
ويكتسب هذا النمو أهمية خاصة بالنظر إلى الظروف الاقتصادية والمالية التي تمر بها الصومال، إذ إن استمرار توسع النشاط الاقتصادي رغم تراجع جزء من الدعم الخارجي يشير إلى وجود مصادر محلية للنشاط، تشمل التجارة والخدمات والثروة الحيوانية والتحويلات المالية والاستثمارات والأنشطة المختلفة للقطاع الخاص. غير أن نمو الناتج المحلي الإجمالي لا يعني تلقائيًا ارتفاع إيرادات الحكومة بالمعدل نفسه، إذ تظل قدرة الدولة المالية مرتبطة بمدى نجاحها في تحصيل الضرائب والرسوم وإدماج مزيد من الأنشطة الاقتصادية ضمن النظام الرسمي.
ماذا يعني نمو الاقتصاد بنسبة 3.1 بالمائة؟
يعكس نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3.1 بالمائة ارتفاع القيمة الإجمالية للسلع والخدمات المنتجة داخل البلاد مقارنة بالعام السابق، وهو ما يمثل مؤشرًا على توسع النشاط الاقتصادي. إلا أن هذا المؤشر ينبغي قراءته بصورة منفصلة عن إيرادات الحكومة، لأن ارتفاع الناتج المحلي لا يعني بالضرورة أن خزينة الدولة حققت زيادة مماثلة في الموارد.
ويعتمد الاقتصاد الصومالي بصورة كبيرة على قطاعات الثروة الحيوانية والتجارة والخدمات، إلى جانب التحويلات المالية من الصوماليين المقيمين في الخارج والنشاط المتزايد للقطاع الخاص. ويمكن لتوسع هذه القطاعات وزيادة الإنتاج والتجارة والاستثمار أن توفر قاعدة أوسع أمام الحكومة لتحصيل الإيرادات، شريطة وجود نظام ضريبي فعال وإدارة مالية قادرة على الوصول إلى النشاط الاقتصادي بصورة منتظمة وعادلة.
الإيرادات المحلية أمام اختبار جديد
تواجه الحكومة في المرحلة الحالية اختبارًا مهمًا يتمثل في قدرتها على زيادة الإيرادات المحلية لتعويض جزء من الفجوة التي قد يتركها تراجع التمويل الخارجي. فقد لعبت المنح والمساعدات والبرامج التي تمولها المؤسسات الدولية والدول الشريكة دورًا مهمًا لسنوات في دعم الخدمات الحكومية وتعزيز المؤسسات وتمويل برامج اجتماعية وتنموية مختلفة.
ومع انخفاض بعض هذه الموارد، تصبح زيادة الإيرادات الداخلية أكثر إلحاحًا، إلا أن تحقيق ذلك لا ينبغي أن يقوم فقط على رفع معدلات الضرائب، وإنما يتطلب توسيع القاعدة الضريبية، والحد من التهرب، وتحسين تسجيل الشركات والأنشطة التجارية، وإدخال مزيد من الاقتصاد غير الرسمي إلى النظام الاقتصادي الرسمي، إلى جانب بناء نظام ضريبي يتسم بالعدالة والوضوح.
ويظل تحقيق التوازن في هذا المسار أمرًا بالغ الأهمية، إذ إن تحميل صغار التجار والفئات محدودة الدخل أعباء ضريبية أكبر، في حين تبقى أجزاء واسعة من الأنشطة الاقتصادية خارج نطاق التحصيل الفعال، قد يؤدي إلى إضعاف الثقة بالنظام المالي. ولذلك فإن زيادة الإيرادات تحتاج إلى سياسات تراعي قدرة المكلفين وتحفز النشاط الاقتصادي الرسمي بدلًا من إضعافه.
القطاع الخاص محرك أساسي للنمو
لا تستطيع الحكومة تحقيق نمو اقتصادي مستدام بمفردها، إذ يمثل القطاع الخاص أحد المحركات الرئيسية للنشاط الاقتصادي في الصومال، سواء من خلال التجارة والخدمات أو الاستثمار وتوفير فرص العمل. ومن ثم، فإن تعزيز الإيرادات المحلية يرتبط بصورة مباشرة بتوسيع الاقتصاد المنتج والرسمي، وليس فقط بزيادة الأعباء المالية على الأنشطة القائمة.
ويشمل ذلك توفير بيئة أعمال أكثر استقرارًا وقابلية للتنبؤ، وتشجيع الاستثمارات المحلية والأجنبية، وتطوير قطاعات الزراعة والثروة الحيوانية والثروة السمكية والخدمات والتجارة، إلى جانب تحسين البنية التحتية والخدمات التي يحتاجها المستثمرون. وكلما توسع النشاط الاقتصادي الرسمي، ازدادت قدرة الحكومة على تحصيل الإيرادات دون الحاجة إلى فرض زيادات كبيرة في معدلات الضرائب.
الإدارة المالية والشفافية
يمثل تحسين الإدارة المالية عنصرًا أساسيًا في قدرة الدولة على الاستفادة من النمو الاقتصادي وتحويله إلى موارد عامة. فوضوح مسارات الإيرادات والإنفاق، وتعزيز الرقابة والمساءلة، وتحسين آليات التحصيل وإدارة النفقات، كلها عوامل تساعد على رفع كفاءة المالية العامة وتعزيز ثقة المواطنين والمستثمرين.
كما أن الإدارة المالية الأكثر شفافية يمكن أن تمنح القطاع الخاص صورة أوضح عن السياسات الحكومية، وتساعد المستثمرين على فهم النظام الضريبي والالتزامات المالية بصورة أكثر قابلية للتوقع. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في اقتصاد يسعى إلى توسيع قاعدة الاستثمار والنشاط الرسمي، لأن الثقة في المؤسسات والقواعد الاقتصادية تعد من العوامل المؤثرة في قرارات الاستثمار.
هل تقترب الصومال من الاستقلال المالي؟
رغم أن نمو الاقتصاد بنسبة 3.1 بالمائة يمثل تطورًا إيجابيًا، فإنه لا يشكل بمفرده دليلًا على قرب الصومال من الاستغناء عن المنح والمساعدات الخارجية. فالاستقلال المالي يتطلب بناء إيرادات داخلية مستقرة، وتعزيز قدرة مؤسسات الدولة على التحصيل، وزيادة الإنتاج المحلي، وضبط الإنفاق العام، ورفع كفاءة المؤسسات المالية.
وتحتاج الصومال إلى فترة طويلة من الإصلاحات المتواصلة حتى تتمكن من بناء هذه الأسس، ولذلك فإن النمو الحالي ينبغي النظر إليه باعتباره جزءًا من مسار اقتصادي أوسع، وليس حلًا نهائيًا لمشكلة الاعتماد على التمويل الخارجي.
تراجع المنح قد يتحول إلى فرصة
وفي الوقت نفسه، يمكن أن يشكل تراجع الدعم الخارجي دافعًا لتسريع الإصلاحات الاقتصادية والمالية، إذ قد يدفع الحكومة إلى البحث بصورة أكثر جدية عن مصادر دخل محلية مستدامة، وتحسين النظام الضريبي، وتطوير الإدارة المالية، وربط الإنفاق العام بصورة أكبر بالموارد المتاحة داخليًا.
وتكمن أهمية هذه المرحلة في أن الدعم الخارجي، رغم دوره الكبير خلال السنوات الماضية، لا يمكن أن يكون بديلًا دائمًا عن بناء مؤسسات وطنية قادرة على تمويل احتياجات الدولة. ولذلك فإن التحدي الحقيقي يتمثل في تحويل سنوات الدعم والمساعدات إلى مؤسسات وأنظمة مالية واقتصادية تستطيع الاستمرار والعمل بكفاءة حتى في حال تراجع التمويل الخارجي.
وإذا تمكنت الحكومة من زيادة الإيرادات المحلية بالتوازي مع تطوير القطاع الخاص والإنتاج والاستثمار، فقد تصبح الصومال أكثر قدرة على تمويل مؤسساتها وخدماتها الأساسية واحتياجاتها الوطنية من مواردها الخاصة، بما يقلل تدريجيًا من حجم الفجوة التي يتركها انخفاض الدعم الخارجي.
تحديات تحد من أثر النمو
ولا تزال أمام الاقتصاد الصومالي مجموعة من التحديات الهيكلية التي قد تحد من قدرة النمو الاقتصادي على التحول إلى إيرادات عامة وفرص عمل واسعة، من بينها التحديات الأمنية، وارتفاع معدلات البطالة، وضعف البنية التحتية، وانخفاض الإنتاج المحلي في عدد من القطاعات، واتساع نطاق الاقتصاد غير الرسمي.
كما يتعين على الحكومة التعامل بحذر مع مسألة زيادة الإيرادات، لأن فرض أعباء ضريبية غير متوازنة قد يؤدي إلى إضعاف الاستثمار والنشاط التجاري، وقد يدفع بعض الأنشطة الاقتصادية إلى البقاء خارج النظام الرسمي. ومن هنا، فإن توسيع الإيرادات يتطلب إصلاحًا شاملًا يركز على توسيع القاعدة الاقتصادية والضريبية بدلًا من الاعتماد بصورة أساسية على رفع معدلات الضرائب.
النمو بداية لمسار أطول
وفي المحصلة، يمثل نمو الاقتصاد الصومالي بنسبة 3.1 بالمائة خلال عام 2025 مؤشرًا إيجابيًا، خصوصًا في ظل تراجع بعض أشكال الدعم الخارجي، لكنه في الوقت نفسه يضع أمام الحكومة مسؤولية تحويل هذا النمو إلى موارد وإمكانات اقتصادية أكثر استدامة.
فالنمو وحده لا يكفي لتحقيق الاعتماد على الذات، وإنما يحتاج إلى أن يقترن بزيادة الإيرادات المحلية، وتحسين الإدارة المالية، وتوسيع الاستثمار، ورفع الإنتاجية، وتعزيز القطاع الخاص، وتطوير المؤسسات الاقتصادية والمالية. وإذا جرى تنفيذ هذه العناصر بصورة مترابطة، فإن تراجع المساعدات الخارجية يمكن أن يتحول من تحدٍ مالي إلى حافز لإعادة بناء نموذج اقتصادي أكثر اعتمادًا على الموارد المحلية.
خلفية:
يمر الاقتصاد الصومالي بمرحلة انتقالية تتطلب تحقيق توازن دقيق بين المحافظة على النمو الاقتصادي وتعزيز قدرة الدولة على تمويل احتياجاتها من مواردها الداخلية، خصوصًا في ظل تغير بيئة التمويل الدولي وتراجع بعض أشكال الدعم الخارجي. وتبرز في هذا السياق أهمية تطوير القطاعات الإنتاجية وتوسيع الاقتصاد الرسمي وتحسين بيئة الاستثمار وتعزيز التحصيل الضريبي، بالتوازي مع إصلاح الإدارة المالية ورفع مستوى الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام. كما أن نجاح هذا المسار لن يقاس فقط بمعدلات نمو الناتج المحلي، وإنما بمدى انعكاس النمو على الإيرادات الحكومية وفرص العمل والإنتاج والاستقرار الاقتصادي. ومن شأن بناء قاعدة اقتصادية أكثر تنوعًا، إلى جانب مؤسسات مالية أكثر كفاءة وقطاع خاص قادر على التوسع، أن يمنح الصومال قدرة أكبر على مواجهة تقلبات التمويل الخارجي، وأن يضعها تدريجيًا على طريق تعزيز الاستقلال المالي والاعتماد بصورة أكبر على مواردها الوطنية.














