مقديشو – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
فقدت الساحة الإعلامية الصومالية، مساء الجمعة 17 يوليو/تموز 2026، أحد أبرز رموزها المهنية، بوفاة الصحفي المخضرم محمود عبدي علي (دُعالي) في العاصمة البريطانية لندن، بعد معاناة مع المرض انتهت داخل أحد مستشفيات المدينة. وبرحيله تطوى صفحة صحفية امتدت لعقود، ارتبط خلالها اسمه بالمهنية والموضوعية، وبالتغطية الدقيقة لأهم المحطات السياسية والإنسانية التي شهدتها الصومال ومنطقة القرن الإفريقي.
وجاءت وفاة الراحل بعد فترة قصيرة من عودته إلى المملكة المتحدة، عقب زيارة أجراها إلى مدينة هرجيسا، حيث واصل خلال السنوات الأخيرة نشاطه الإعلامي وإسهاماته في تطوير العمل الصحفي. وقد أثار نبأ وفاته موجة واسعة من الحزن في الأوساط الإعلامية والسياسية والاجتماعية، إذ نعاه زملاؤه وتلاميذه باعتباره واحدًا من الجيل الذي أسس لمدرسة صحفية احترفت نقل الخبر بدقة، وجعلت من المصداقية معيارًا ثابتًا في العمل الإعلامي.
ويُعد دُعالي من أبرز الوجوه التي لمع اسمها في القسم الصومالي بهيئة الإذاعة البريطانية، حيث شارك في تغطية أبرز الأحداث التي مرت بها الصومال خلال العقود الماضية، واكتسب احترام الجمهور بفضل أسلوبه المهني الهادئ واعتماده على التوثيق الدقيق للمعلومات. كما ارتبط اسمه بتغطية التطورات السياسية والعسكرية التي شهدتها البلاد في ثمانينيات القرن الماضي، وكان من بين الصحفيين الذين نقلوا تفاصيل تلك المرحلة إلى الرأي العام المحلي والدولي.
ومن أبرز المحطات المهنية في مسيرته المقابلة التي أجراها مع وزير الدفاع ونائب رئيس الجمهورية الأسبق محمد علي سمتر خلال أحداث عام 1988، والتي أقر فيها المسؤول الحكومي آنذاك بتنفيذ القوات الجوية الصومالية غارات على مدينة هرجيسا. وقد اكتسب ذلك الحوار أهمية تاريخية واسعة، إذ اعتبره كثير من المراقبين أول اعتراف رسمي من مسؤول حكومي رفيع بتلك العمليات، وهو ما جعل المقابلة مرجعًا استندت إليه لاحقًا منظمات حقوق الإنسان الدولية في توثيق الانتهاكات المرتبطة بتلك المرحلة.
وقبل انتقاله إلى العمل في هيئة الإذاعة البريطانية، عمل الراحل في كل من راديو هرجيسا وراديو مقديشو، قبل أن يغادر البلاد في السنوات الأخيرة من حكم الرئيس الأسبق محمد سياد بري، طالبًا اللجوء إلى المملكة المتحدة بسبب ما وصفه مقربون منه بالضغوط السياسية التي تعرض لها آنذاك. ورغم استقراره في لندن، فقد حافظ على صلته بالمشهد الإعلامي الصومالي، وعاش خلال العقد الأخير معظم وقته في هرجيسا، حيث واصل نشاطه المهني عبر مؤسسات إعلامية محلية، من بينها هورن كيبل تي في، وأسهم في تدريب وتأهيل عدد من الصحفيين الشباب ونقل خبراته إليهم.
كما نعى رئيس إدارة أرض الصومال عبد الرحمن محمد عبد الله (عرّو) الصحفي الراحل، معربًا في بيان رسمي عن تعازيه لأسرته وللوسط الإعلامي، ومشيدًا بما قدمه من إسهامات بارزة في ترسيخ العمل الصحفي المهني، وتعزيز ثقافة نقل الأخبار الدقيقة، وخدمة المجتمع عبر الإعلام المسؤول. وأكد أن دُعالي سيظل حاضرًا في ذاكرة الصحافة الصومالية بوصفه أحد روادها الذين ارتبط اسمهم بالنزاهة والاحترافية.
ينتمي محمود عبدي علي (دُعالي) إلى الجيل المؤسس للصحافة الصومالية الحديثة، وهو الجيل الذي عايش التحولات الكبرى التي مرت بها البلاد منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي وحتى مرحلة ما بعد انهيار الدولة المركزية. وقد أسهم، من خلال عمله في وسائل إعلام وطنية ودولية، في توثيق كثير من الأحداث المفصلية في التاريخ الصومالي، وترك إرثًا مهنيًا يعد مرجعًا مهمًا للباحثين والإعلاميين. ويُنظر إلى مسيرته بوصفها نموذجًا للصحفي الذي حافظ على التزامه بأخلاقيات المهنة، وجعل من الدقة والحياد والبحث عن الحقيقة أساسًا لعمله، وهو ما أكسبه احترامًا واسعًا داخل الصومال وخارجه.














