طوسمريب – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
تحول انتخابي مرتقب
في خطوة سياسية توصف بأنها محطة جديدة في مسار التحول الديمقراطي بالصومال، بدأت صباح اليوم الخميس 30 يوليو 2026 في ولاية غلمدغ عملية الاقتراع لانتخابات المجالس المحلية ومجلس الممثلين وفق نظام “شخص واحد، صوت واحد”، وسط متابعة رسمية وشعبية واسعة، باعتبارها من أبرز التجارب الانتخابية التي تهدف إلى نقل عملية اختيار الممثلين من النخب السياسية والآليات غير المباشرة إلى قاعدة شعبية أوسع تمنح المواطنين دورًا مباشرًا في تحديد قياداتهم المحلية.
وتأتي هذه الانتخابات في إطار مساعي الحكومة الفيدرالية الصومالية لإعادة تشكيل المشهد الانتخابي الوطني، وتوسيع المشاركة الشعبية في إدارة الشأن العام، بعد عقود اعتمدت خلالها البلاد على نماذج انتخابية غير مباشرة فرضتها ظروف سياسية وأمنية معقدة، إلا أن هذه الخطوة لا تزال تواجه نقاشات سياسية حادة بين المؤيدين الذين يرون فيها تقدمًا نحو بناء مؤسسات منتخبة، والمعارضين الذين يطالبون بضمانات أكبر حول حياد المؤسسات المشرفة وشفافية الإجراءات الانتخابية.
إقبال واسع في مراكز التصويت
وشهدت مختلف مناطق ولاية غلمدغ منذ ساعات الصباح الأولى تدفقًا ملحوظًا للناخبين نحو مراكز الاقتراع، حيث فتحت صناديق التصويت أمام المواطنين في العاصمة الإقليمية طوسمريب، ومدن عدادو، بلن بلي، غالكعيو، عابدواق، غوريعيل، هوبيو، حررطيري، حراّلي، عيل طير، وغلعد، إلى جانب مناطق أخرى شملتها العملية الانتخابية.
وجرت عملية التصويت وسط إجراءات أمنية وتنظيمية اتخذتها الجهات المختصة لضمان سير الانتخابات في أجواء مستقرة، حيث انتشرت القوات الأمنية حول مراكز الاقتراع، فيما عملت اللجان الانتخابية على تنظيم حركة الناخبين وتسهيل مشاركتهم، في محاولة لإنجاح تجربة انتخابية واسعة داخل ولاية تواجه، مثل بقية مناطق الصومال، تحديات مرتبطة بالأمن والسياسة وبناء المؤسسات
ويعتبر مراقبون أن نجاح هذه التجربة لا يرتبط فقط بعدد المشاركين أو انتظام عملية التصويت، وإنما بقدرة المؤسسات المحلية على إدارة مرحلة ما بعد الانتخابات، واحترام خيارات الناخبين، والحفاظ على الاستقرار السياسي خلال إعلان النتائج وتشكيل المؤسسات الجديدة.
أكثر من 200 ألف ناخب
وبحسب البيانات المعلنة، يشارك في هذه الانتخابات أكثر من 200 ألف ناخب مسجل موزعين على 11 دائرة انتخابية في مناطق من إقليمي غلغدود وجنوب مدغ، حيث يتنافس عدد من التنظيمات السياسية على مقاعد المجالس المنتخبة.
ويختار الناخبون خلال هذه العملية 243 عضوًا في مجالس الإدارات المحلية و89 عضوًا في مجلس الممثلين، في انتخابات تحمل أبعادًا سياسية تتجاوز تشكيل المؤسسات المحلية، إذ ينظر إليها باعتبارها مؤشرًا على حجم النفوذ الشعبي للتنظيمات السياسية المتنافسة، وقدرتها على بناء قواعد جماهيرية استعدادًا للمراحل السياسية المقبلة.
كما تمثل نتائج الانتخابات اختبارًا مهمًا للتوازنات الداخلية في الولاية، خاصة في ظل التنافس بين القوى السياسية المختلفة حول مستقبل إدارة غلمدغ، ودور المؤسسات المنتخبة في تحديد أولويات التنمية والخدمات والأمن خلال المرحلة القادمة.
حضور حكومي في غالكعيو
وفي مدينة غالكعيو، تابع النائب الأول لرئيس الوزراء الصومالي صالح أحمد جامع سير العملية الانتخابية، حيث أجرى زيارة ميدانية إلى عدد من مراكز الاقتراع للاطلاع على مستوى التنظيم والإجراءات المتخذة لضمان مشاركة المواطنين.
وأكد نائب رئيس الوزراء أهمية هذه التجربة باعتبارها خطوة نحو تعزيز العلاقة بين المواطن والمؤسسات العامة، مشيرًا إلى أن الانتخابات المباشرة تمنح الشعب دورًا أكبر في اختيار ممثليه، وتساهم في بناء مؤسسات تستند إلى الإرادة الشعبية.
وشهدت مراكز التصويت كذلك مشاركة عدد من المسؤولين الفيدراليين الذين حضروا لمتابعة العملية والإدلاء بأصواتهم، بينهم وزير الدفاع أحمد معلم فقي، ونائب وزير الإعلام والثقافة والسياحة عبدالرحمن العدالة، ووزير البيئة والتغير المناخي اللواء بشير محمد جامع (بشير غوبي)، إضافة إلى شخصيات سياسية ومسؤولين آخرين.
ويعكس حضور المسؤولين الحكوميين اهتمامًا رسميًا بمتابعة التجربة الانتخابية، باعتبارها جزءًا من مشروع أوسع يهدف إلى تعزيز المشاركة السياسية وتطوير نظام انتخابي أكثر ارتباطًا بالمواطنين.
رسائل سياسية من المسؤولين
وأكد وزير الدفاع أحمد معلم فقي أن مشاركته في هذه الانتخابات تمثل أول تجربة انتخابية يشارك فيها وفق نظام “شخص واحد، صوت واحد”، معتبرًا أن انتقال المواطنين من دور المتلقي إلى صاحب القرار الانتخابي يمثل تطورًا مهمًا في الحياة السياسية الصومالية.
وأوضح فقي أن الانتخابات المباشرة تمنح المجتمع فرصة أكبر للمساهمة في اختيار المؤسسات التي تمثله، داعيًا إلى حماية العملية الانتخابية وتعزيز ثقافة المشاركة السياسية باعتبارها أساسًا لبناء دولة مستقرة.
من جانبه، قال نائب وزير الإعلام والثقافة والسياحة عبدالرحمن يوسف العدالة إن المشاركة الشعبية الواسعة في غلمدغ تحمل رسالة واضحة تؤكد رغبة المواطنين في المشاركة في صناعة مستقبل مناطقهم، مشيرًا إلى أن توسيع قاعدة المشاركة السياسية يمثل عنصرًا مهمًا لتحقيق التنمية وتعزيز الاستقرار.
وأضاف أن نجاح الانتخابات يعتمد على قدرة جميع الأطراف على احترام إرادة الناخبين، والعمل على تحويل المشاركة الشعبية إلى برامج وسياسات تخدم المجتمع.
إرادة الناخبين في الواجهة
بدوره، أكد النائب البرلماني عن مدينة غالكعيو عبدالرحمن عغاوين أن توجه المواطنين إلى صناديق الاقتراع يعكس رغبتهم في امتلاك دور حقيقي في تحديد مستقبلهم السياسي.
وقال إن اختيار القيادات يجب أن يكون قائمًا على إرادة السكان وخياراتهم الحرة، مشددًا على أن الانتخابات ليست مجرد عملية إجرائية، وإنما وسيلة لتعزيز العلاقة بين المجتمع والمؤسسات الحاكمة.
وأشار إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب احترام نتائج العملية الانتخابية والعمل على توحيد الجهود من أجل تعزيز الاستقرار والتنمية في الولاية، بعيدًا عن الخلافات السياسية التي قد تؤثر على مصالح المواطنين.
جدل حول المفوضية الانتخابية
ورغم أهمية الانتخابات الحالية، فإنها تجري في ظل استمرار الجدل السياسي بين الحكومة الفيدرالية والقوى المعارضة حول طبيعة النظام الانتخابي وآليات إدارة العملية من قبل المؤسسات المشرفة عليها.
وتبدي بعض الأطراف المعارضة تحفظات بشأن أداء مفوضية الانتخابات، مطالبة بمزيد من الضمانات المتعلقة باستقلاليتها وحيادها، إضافة إلى تعزيز الشفافية في مراحل تسجيل الناخبين، وإدارة الحملات الانتخابية، وفرز الأصوات، وإعلان النتائج.
وترى المعارضة أن نجاح أي تجربة انتخابية مباشرة يتطلب توافقًا سياسيًا واسعًا بين مختلف القوى، بحيث تكون القواعد الانتخابية محل اتفاق وطني، وتضمن تكافؤ الفرص بين جميع المتنافسين، بعيدًا عن أي تأثيرات سياسية أو إدارية.
في المقابل، تؤكد الحكومة الفيدرالية أن بناء نظام انتخابي جديد يمثل عملية تدريجية تحتاج إلى التكيف مع الظروف السياسية والأمنية، لكنها تعتبر أن استمرار هذه التجارب يمثل الطريق نحو تعزيز الديمقراطية وتوسيع مشاركة المواطنين.
الحكومة تدافع عن النموذج الجديد
وتؤكد الحكومة الفيدرالية الصومالية أن نظام “شخص واحد، صوت واحد” يمثل تحولًا تاريخيًا في مسار الدولة الصومالية، بعد سنوات طويلة من الاعتماد على أنظمة انتخابية غير مباشرة.
وترى مقديشو أن الانتخابات المباشرة تمنح المؤسسات المنتخبة شرعية أكبر، وتساعد على بناء علاقة أكثر قوة بين المواطن والدولة، كما تفتح المجال أمام مشاركة أوسع للأحزاب والتنظيمات السياسية في إدارة الشأن العام.
وتشير الحكومة إلى أن الانتقال إلى هذا النظام يواجه تحديات أمنية وسياسية، إلا أن استمرار تطبيقه تدريجيًا سيسهم في تطوير التجربة الديمقراطية وتعزيز ثقافة الانتخابات الشعبية في البلاد.
مسار وطني نحو الانتخابات
وتأتي انتخابات غلمدغ ضمن مسار سياسي أوسع تقوده الحكومة الفيدرالية لإعادة تشكيل النظام الانتخابي في الصومال، بعد عقود من الظروف التي حالت دون تطبيق الاقتراع المباشر على نطاق واسع.
وكانت الحكومة قد نظمت تجارب انتخابية مشابهة في العاصمة مقديشو وولاية جنوب غرب الصومال، إلا أن تلك العمليات أثارت نقاشات سياسية بين مؤيدين اعتبروها خطوة ضرورية نحو الديمقراطية، ومعارضين طالبوا بمزيد من الضمانات لضمان النزاهة والشفافية.
ويرى مراقبون أن تجربة غلمدغ ستكون اختبارًا إضافيًا لقدرة الصومال على إدارة انتخابات شعبية في ظل استمرار التحديات الأمنية والسياسية.
اختبار الثقة والاستقرار
ويرى محللون أن نجاح انتخابات غلمدغ لن يقاس فقط بعملية التصويت، وإنما بمدى قدرة جميع الأطراف على احترام النتائج، والحفاظ على الاستقرار، وتحويل هذه التجربة إلى نموذج يمكن البناء عليه في المراحل الانتخابية المقبلة.
ويؤكد المراقبون أن تعزيز الثقة بين المواطنين والمؤسسات الانتخابية يمثل العامل الأساسي لإنجاح التحول الديمقراطي، خصوصًا في ظل استمرار النقاش الوطني حول مستقبل النظام الفيدرالي، وتوزيع الصلاحيات بين الحكومة المركزية والولايات الأعضاء.
خلفية: طريق طويل للديمقراطية
تأتي انتخابات غلمدغ في سياق التحولات السياسية التي يعيشها الصومال منذ انهيار الدولة المركزية عام 1991، حيث ظلت إعادة بناء مؤسسات الدولة وإرساء نظام سياسي مستقر من أبرز التحديات الوطنية.
ومنذ تأسيس النظام الفيدرالي، أصبحت قضايا العلاقة بين الحكومة المركزية والولايات الأعضاء، وتوزيع الصلاحيات، وإدارة الانتخابات، من أكثر الملفات حساسية في المشهد السياسي الصومالي.
وشهدت البلاد خلال السنوات الماضية نقاشات واسعة حول أفضل نموذج انتخابي قادر على تحقيق التوازن بين المشاركة الشعبية والاستقرار السياسي، في ظل الحاجة إلى بناء مؤسسات قوية تستند إلى إرادة المواطنين.
وتمثل تجربة غلمدغ الحالية محطة مفصلية في هذا المسار، إذ ستحدد مدى قدرة نظام الاقتراع المباشر على تعزيز شرعية المؤسسات، وبناء ثقة أكبر بين المواطن والدولة، ودعم مسار التحول الديمقراطي في الصومال.














