مقديشو – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
مرحلة انتقالية تختبر جاهزية الصومال
في توقيت سياسي وأمني بالغ الحساسية، تقف الصومال أمام مرحلة مفصلية تتعلق بمستقبل مسؤوليتها الأمنية وقدرتها على إدارة ملف الاستقرار الوطني بعد انتهاء الدور التدريجي للقوات الإفريقية الداعمة. وفي هذا السياق، دعا الرئيس الصومالي الأسبق شريف شيخ أحمد إلى ضرورة تعزيز الوحدة السياسية وإجراء تقييم شامل وصريح لقدرات الدولة قبل الانتقال الكامل إلى مرحلة تتولى فيها المؤسسات الصومالية مسؤولية حماية البلاد بشكل أكبر.
وأكد شريف شيخ أحمد أن الصومال بحاجة إلى قراءة واقعية للظروف السياسية والأمنية والاقتصادية التي تمر بها، مشددًا على أن نجاح عملية الانتقال الأمني لا يرتبط فقط بقدرات القوات المسلحة، وإنما بوجود بيئة سياسية مستقرة ومؤسسات حكومية قوية قادرة على اتخاذ القرارات الوطنية بعيدًا عن الانقسامات والخلافات الداخلية.
وأضاف أن المرحلة المقبلة تتطلب توافقًا وطنيًا واسعًا بين مختلف القوى السياسية والاجتماعية، لأن مواجهة التحديات الأمنية لا يمكن أن تتحقق بالوسائل العسكرية وحدها، بل تحتاج إلى انسجام سياسي يعزز قدرة الدولة على حماية المكتسبات التي تحققت خلال السنوات الماضية، ويمنع ظهور أي فراغ قد تستغله الجماعات المسلحة.
دعوة لتقييم شامل قبل تسلم المسؤوليات
وقال شريف شيخ أحمد، الذي يرأس مجلس مستقبل الصومال، خلال فعالية أقيمت في العاصمة مقديشو أمس الأربعاء، إن الصومال مطالبة بإجراء تقييم جاد لقدرات قواتها المسلحة، إلى جانب مراجعة أوضاعها السياسية والاقتصادية، قبل تحمل مسؤوليات أمنية أكبر عقب انتقال المهام من بعثة الاتحاد الإفريقي لدعم وتحقيق الاستقرار في الصومال (أوصوم).
وأوضح الرئيس الأسبق أن الانتقال الأمني يمثل خطوة تاريخية مهمة بالنسبة للصومال، إلا أنه يحتاج إلى تخطيط دقيق وضمانات واضحة حتى لا يتحول إلى مرحلة تحمل مخاطر غير محسوبة. وأشار إلى أن بناء جيش وطني قادر على حماية البلاد يتطلب توفير التدريب المستمر، والتمويل الكافي، والقيادة المهنية، إلى جانب وجود مؤسسات سياسية تعمل في إطار من التعاون والتنسيق.
وشدد على أن مفهوم الجاهزية الوطنية لا ينبغي أن يقتصر على الجانب العسكري فقط، بل يجب أن يشمل قدرة مؤسسات الدولة على إدارة الأزمات، وتعزيز سيادة القانون، وتوفير الخدمات الأساسية التي تساعد على ترسيخ ثقة المواطنين بالدولة ومؤسساتها.
تحذير من خطر الانقسامات والفساد
وحذر شريف شيخ أحمد من أن الانقسامات السياسية والفساد المؤسسي قد يمثلان تهديدًا خطيرًا لمستقبل الاستقرار في الصومال، معتبرًا أن ضعف التماسك السياسي قد يؤدي إلى إضعاف مؤسسات الدولة وتقليص قدرة القوات الأمنية على أداء دورها الوطني بكفاءة.
قال إن التجارب الدولية أثبتت أن الدول لا تفقد استقرارها بسبب ضعف القوة العسكرية فقط، وإنما بسبب هشاشة المؤسسات وغياب التوافق السياسي، موضحًا أن حماية الصومال تتطلب بناء منظومة متكاملة تجمع بين الأمن والحكم الرشيد والتنمية الاقتصادية.
وأضاف أن الجماعات المسلحة تستفيد غالبًا من حالات الفراغ السياسي وضعف المؤسسات أكثر من استفادتها من قوتها العسكرية، ولذلك فإن تعزيز الوحدة الوطنية وإصلاح مؤسسات الدولة يمثلان جزءًا أساسيًا من استراتيجية مواجهة الإرهاب وحماية مستقبل البلاد.
أولوية حماية المؤسسة العسكرية
وأكد الرئيس الأسبق شريف شيخ أحمد أن بناء مؤسسة عسكرية وطنية قوية يتطلب إبعاد القوات المسلحة عن التجاذبات السياسية، والحفاظ على دورها باعتبارها مؤسسة وطنية جامعة تمثل جميع الصوماليين، وليس أداة تستخدم في إدارة الخلافات السياسية أو تعزيز نفوذ أي طرف على حساب طرف آخر.
وأوضح أن القوات الأمنية تحتاج إلى بيئة سياسية مستقرة حتى تتمكن من تنفيذ مهامها بكفاءة، مشيرًا إلى أن استمرار الانقسامات بين القوى السياسية قد ينعكس سلبًا على أداء المؤسسة العسكرية، ويؤثر على قدرتها في مواجهة حركة الشباب والجماعات المسلحة الأخرى التي تهدد أمن البلاد واستقرارها.
وأضاف أن أي محاولة لاستخدام القوات الأمنية في معالجة الخلافات السياسية الداخلية من شأنها أن تضعف تركيزها على مهمتها الأساسية، المتمثلة في الدفاع عن الوطن وحماية المواطنين وتعزيز الأمن في مختلف المناطق الصومالية.
وشدد على أن الجيش الوطني لا يمكن أن يحقق أهدافه إلا من خلال استراتيجية أمنية واضحة، ودعم سياسي شامل، وقيادة موحدة تعمل وفق المصالح الوطنية العليا، بعيدًا عن الحسابات السياسية الضيقة أو الصراعات المرحلية.
دعوة للحوار والمصالحة الوطنية
ودعا شريف شيخ أحمد القيادة السياسية في الصومال إلى إعطاء الأولوية للحوار الوطني والمصالحة السياسية، مؤكدًا أن الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يتحقق من خلال الإجراءات الأمنية والعسكرية فقط، وإنما عبر معالجة جذور الخلافات السياسية وبناء تفاهمات وطنية واسعة تشمل مختلف مكونات المجتمع الصومالي.
وأشار إلى أن الصومال بحاجة في هذه المرحلة إلى مشروع سياسي جامع يضع حدًا لحالة الاستقطاب، ويعزز الثقة بين الحكومة الفيدرالية والولايات الأعضاء والقوى السياسية المختلفة، بما يضمن توحيد الجهود الوطنية في مواجهة التحديات المشتركة.
وأوضح أن المصالحة الوطنية ليست خيارًا سياسيًا مؤقتًا، وإنما ضرورة استراتيجية لبناء دولة مستقرة وقادرة على مواجهة الأزمات، معتبرًا أن المؤسسات القوية لا تُبنى فقط بالقوانين والهياكل الإدارية، بل كذلك بالثقة والتوافق بين الدولة والمجتمع.
وأضاف أن إشراك مختلف الأطراف السياسية في صناعة القرار الوطني من شأنه أن يعزز شرعية مؤسسات الدولة، ويمنح المواطنين شعورًا أكبر بالمشاركة والانتماء، الأمر الذي ينعكس إيجابًا على الأمن والاستقرار والتنمية.
قمة كمبالا تبحث مستقبل أوصوم
وجاءت تصريحات شريف شيخ أحمد بالتزامن مع انعقاد القمة الاستثنائية للدول المساهمة بقوات في بعثة الاتحاد الإفريقي لدعم وتحقيق الاستقرار في الصومال (أوصوم)، والتي تستضيفها العاصمة الأوغندية كمبالا خلال الفترة من 29 إلى 31 يوليو 2026، لمناقشة مستقبل البعثة وآليات استمرار الدعم الدولي خلال المرحلة المقبلة.
وتجمع القمة قادة ومسؤولين رفيعي المستوى من الدول المشاركة في البعثة، من بينها الصومال، أوغندا، كينيا، إثيوبيا، جيبوتي، بوروندي ومصر، إلى جانب ممثلين عن الاتحاد الإفريقي، والأمم المتحدة، والهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد).
وتبحث الاجتماعات مستقبل المهمة الإفريقية في الصومال، ومستوى الدعم المطلوب لضمان نجاح عملية الانتقال الأمني، إضافة إلى التحديات المالية التي تواجه البعثة في ظل تراجع التمويل الدولي وارتفاع تكاليف العمليات الميدانية.
تحديات التمويل والاستدامة الأمنية
وتواجه بعثة أوصوم خلال الفترة الحالية ضغوطًا مالية متزايدة نتيجة انخفاض الدعم المقدم من بعض الجهات الدولية المانحة، وهو ما أثار مخاوف بشأن قدرتها على مواصلة تنفيذ مهامها بنفس المستوى خلال السنوات المقبلة.
ويرى مراقبون أن الأزمة المالية التي تواجه البعثة تمثل تحديًا مباشرًا أمام مسار الانتقال الأمني، خصوصًا أن القوات الصومالية لا تزال بحاجة إلى دعم فني ولوجستي وتدريبي حتى تصل إلى مستوى يمكنها من تحمل المسؤولية الكاملة في جميع المناطق.
وفي المقابل، تؤكد الحكومة الصومالية أن قواتها الأمنية حققت تقدمًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، وأنها تعمل على تعزيز قدراتها العملياتية والإدارية استعدادًا لمرحلة جديدة تقوم على تولي المسؤولية الوطنية للأمن.
وترى مقديشو أن الانتقال الأمني يمثل فرصة لتعزيز سيادة الصومال وبناء مؤسسات وطنية أكثر استقلالية، إلا أن نجاح هذه المرحلة يتطلب استمرار التعاون مع الشركاء الدوليين وفق رؤية تقوم على دعم القدرات المحلية بدلًا من الاعتماد طويل الأمد على القوات الأجنبية.
انتقال أمني في لحظة مفصلية
ويأتي مسار انتقال المسؤولية الأمنية من بعثة أوصوم إلى المؤسسات الصومالية في وقت تمر فيه الصومال بمرحلة دقيقة تجمع بين فرص تعزيز السيادة الوطنية وتحديات الحفاظ على الاستقرار. فبعد سنوات طويلة اعتمدت فيها البلاد على الدعم الأمني الإقليمي والدولي، تسعى مقديشو إلى بناء منظومة أمنية وطنية قادرة على حماية المدن والمناطق المحررة، ومواصلة العمليات ضد حركة الشباب، وتعزيز حضور الدولة في مختلف أنحاء البلاد.
ويرى مراقبون أن نجاح هذا الانتقال لن يقاس فقط بجدول انسحاب القوات الإفريقية أو حجم المسؤوليات التي ستتسلمها القوات الصومالية، وإنما بقدرة المؤسسات الوطنية على إدارة المرحلة بكفاءة، وضمان استمرار العمليات الأمنية دون حدوث أي فراغ قد تستغله الجماعات المسلحة لإعادة تنظيم صفوفها أو توسيع نفوذها.
كما يشير محللون إلى أن بناء القدرات الأمنية يجب أن يسير بالتوازي مع إصلاحات سياسية واقتصادية أوسع، لأن الأمن المستدام لا يعتمد على القوة العسكرية وحدها، بل يحتاج إلى مؤسسات حكومية فعالة، واقتصاد قادر على دعم متطلبات الدولة، ونظام سياسي قائم على التوافق والثقة بين مختلف مكونات المجتمع.
الأمن مرتبط بالاستقرار السياسي
ويؤكد خبراء في الشأن الصومالي أن العلاقة بين الأمن والسياسة أصبحت أكثر وضوحًا خلال السنوات الأخيرة، حيث أثبتت التجارب أن أي انقسام سياسي داخلي يمكن أن يؤثر بصورة مباشرة على قدرة الدولة في مواجهة التهديدات الأمنية.
وفي هذا السياق، تعكس دعوة شريف شيخ أحمد إلى الوحدة السياسية قلقًا واسعًا لدى عدد من الفاعلين السياسيين من أن تؤدي الخلافات الداخلية إلى إضعاف الجبهة الوطنية في وقت تحتاج فيه الصومال إلى توحيد جهودها لمواجهة التحديات الأمنية والتنموية.
ويرى المراقبون أن تعزيز التفاهم بين الحكومة الفيدرالية والولايات الأعضاء، وإنهاء الخلافات حول الملفات الدستورية والانتخابية وتقاسم الصلاحيات، يمثل عاملًا أساسيًا في بناء دولة أكثر قدرة على إدارة المرحلة المقبلة.
كما يؤكدون أن القوات المسلحة الصومالية تحتاج إلى غطاء سياسي وطني واسع، لأن نجاحها في أداء مهامها يرتبط بوجود توافق حول أهدافها ودورها، وبضمان بقائها مؤسسة مهنية بعيدة عن التجاذبات السياسية.
الصومال أمام اختبار بناء الدولة
وتقف الصومال اليوم أمام اختبار يتجاوز الملف الأمني المباشر، إذ إن المرحلة المقبلة ستحدد مدى قدرتها على الانتقال من مرحلة الاعتماد على الدعم الخارجي إلى مرحلة امتلاك مؤسسات وطنية قادرة على إدارة شؤونها بكفاءة واستقلالية.
فالصومال التي عانت لعقود من آثار انهيار مؤسسات الدولة المركزية، تعمل منذ سنوات على إعادة بناء مؤسساتها الأمنية والسياسية، وسط تحديات كبيرة فرضتها الانقسامات الداخلية، والتهديدات الإرهابية، والظروف الاقتصادية الصعبة.
ويعتقد مراقبون أن نجاح المرحلة المقبلة سيعتمد على قدرة القيادة السياسية على تحقيق توازن بين تعزيز السيادة الوطنية والاستفادة من الدعم الدولي، بحيث يكون التعاون الخارجي عاملًا مساعدًا في بناء القدرات وليس بديلًا عن مسؤولية الدولة.
كما أن تعزيز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة سيبقى عنصرًا حاسمًا في نجاح أي تحول سياسي أو أمني، لأن الدولة القوية لا تقوم فقط على المؤسسات الرسمية، وإنما على العلاقة المتينة بينها وبين الشعب الذي تمثله.
خلفية:
منذ انهيار الدولة المركزية في الصومال عام 1991، واجهت البلاد تحديات معقدة في إعادة بناء مؤسساتها الوطنية، وخاصة المؤسسات الأمنية والعسكرية التي تضررت بشكل كبير خلال سنوات الصراع والانقسام السياسي. وقد تطلبت عملية إعادة بناء الدولة جهودًا طويلة شاركت فيها أطراف صومالية وإقليمية ودولية بهدف استعادة الاستقرار وتعزيز قدرة المؤسسات الحكومية.
وخلال هذه المرحلة، لعبت بعثات الاتحاد الإفريقي دورًا محوريًا في دعم الصومال، بدءًا من بعثة الاتحاد الإفريقي لحفظ السلام في الصومال (أتميس) وصولًا إلى بعثة الاتحاد الإفريقي لدعم وتحقيق الاستقرار في الصومال (أوصوم)، حيث ساهمت هذه البعثات في مساندة القوات الصومالية خلال العمليات العسكرية ضد حركة الشباب، ودعم جهود توسيع نفوذ الدولة في المناطق المستعادة.
وتدخل الصومال اليوم مرحلة جديدة تتطلب تحقيق توازن دقيق بين مسؤولية الدولة في حماية أمنها، والحاجة إلى استمرار الشراكة الدولية خلال فترة الانتقال. فنجاح هذه المرحلة لن يعتمد فقط على قدرة القوات الوطنية على حمل السلاح، وإنما على قدرة الصومال على بناء مؤسسات قوية، وتحقيق توافق سياسي واسع، وتعزيز الحكم الرشيد.
ويرى مراقبون أن مستقبل الأمن الصومالي سيكون مرتبطًا بمدى قدرة الصومال على تحويل هذه المرحلة الانتقالية إلى فرصة تاريخية لبناء دولة أكثر استقرارًا، تكون فيها المؤسسات الوطنية قادرة على حماية المواطنين، وصون السيادة، وفتح الطريق أمام تنمية سياسية واقتصادية مستدامة.














