مقديشو – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
في خطوة صحية وبيئية تعكس تنامي الاهتمام الرسمي بتطوير الخدمات الأساسية وتعزيز حماية المجتمع، دشنت العاصمة الصومالية مقديشو أول مختبر وطني رسمي متخصص في مراقبة وفحص جودة مياه الشرب، بعد أكثر من ثلاثة عقود ظلت خلالها المدينة تفتقر إلى مؤسسة حكومية تتولى مسؤولية التحقق من سلامة مصادر المياه ومعايير صلاحيتها للاستهلاك البشري. ويأتي افتتاح هذا المختبر في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى وجود منظومة رقابية حديثة قادرة على مواكبة النمو السكاني والتوسع العمراني الذي تشهده العاصمة.
ويمثل المشروع، الذي أطلقته بلدية مقديشو وإدارة محافظة بنادر، تحولًا مهمًا في طريقة التعامل مع ملف المياه، إذ يهدف إلى الانتقال من الاعتماد على الفحوصات المحدودة والإجراءات غير المنتظمة إلى نظام مؤسسي يعتمد على التحاليل المخبرية الدورية والمعايير العلمية المعتمدة. وأكدت السلطات المحلية أن المختبر سيشكل أداة رئيسية لضمان أن المياه المستخدمة في المنازل والأسواق والمؤسسات العامة تتوافق مع متطلبات الصحة والسلامة، بما يحد من المخاطر المرتبطة بتلوث المياه وانتشار الأمراض الناتجة عن سوء جودتها.
وقال نائب محافظ بنادر للشؤون المالية ونائب عمدة مقديشو، عيسى غوري، إن إنشاء المختبر جاء استجابة لحاجة ملحة استمرت لسنوات طويلة، موضحًا أن انهيار مؤسسات الدولة المركزية عام 1991 أدى إلى فقدان العديد من القطاعات الخدمية للرقابة الحكومية الفاعلة، ومن بينها قطاع المياه. وأضاف أن مسؤولية السلطات في المرحلة الحالية لا تقتصر على تقديم الخدمات فقط، بل تشمل أيضًا وضع أنظمة رقابية تضمن سلامة هذه الخدمات وحماية المواطنين من أي مخاطر صحية محتملة.
وأوضح عيسى غوري أن المياه النظيفة تمثل عنصرًا أساسيًا في تعزيز الصحة العامة والوقاية من الأمراض، مشيرًا إلى أن المختبر الجديد سيجري اختبارات دقيقة لمختلف مصادر المياه في العاصمة، بما في ذلك الآبار الجوفية، وخزانات التخزين، وشبكات نقل المياه إلى الأحياء السكنية. وستركز عمليات الفحص على الكشف عن الملوثات والمواد الضارة والبكتيريا التي قد تؤثر على سلامة المياه، خصوصًا الأمراض المرتبطة بالمياه غير الآمنة مثل الإسهالات المائية والأمراض المعوية التي تشكل تحديًا صحيًا في العديد من المجتمعات.
وأكدت بلدية مقديشو أنها تولت تجهيز المختبر وتوفير الأجهزة الفنية اللازمة، إلى جانب الاستعانة بخبرات متخصصة في مجال المياه والتحاليل المخبرية، لضمان تنفيذ عمليات الفحص وفق أسس علمية دقيقة. وشددت على أن الهدف من إنشاء المختبر لا يتمثل في فرض قيود على شركات المياه أو أصحاب الآبار الخاصة، وإنما في تنظيم القطاع ورفع مستوى الجودة، بما يحقق التوازن بين دعم النشاط الاقتصادي وضمان حق المواطنين في الحصول على مياه نظيفة وآمنة.
وأضافت السلطات المحلية أنها ستعمل على إنشاء قاعدة بيانات شاملة لمصادر المياه في مقديشو، تشمل معلومات تفصيلية حول مواقع الآبار ومناطق توزيع المياه، باستخدام تقنيات حديثة من بينها نظام تحديد المواقع العالمي. وأوضحت أن هذه الخطوة ستساعد في تحسين عملية المتابعة، وتحديد مصادر المياه بدقة، وإجراء فحوصات دورية تمكن الجهات المختصة من التدخل المبكر في حال اكتشاف أي مشكلات صحية أو بيئية.
ويأتي تدشين المختبر في ظل مرحلة تشهد فيها مقديشو توسعًا حضريًا متسارعًا، مع ارتفاع عدد السكان وزيادة الاعتماد على الآبار الخاصة والمشاريع السكنية والتجارية التي تحتاج إلى مصادر مياه مستقرة وآمنة. ويرى مختصون في مجالي الصحة والبيئة أن هذا التطور العمراني يفرض تحديات متزايدة تتطلب إدارة أكثر صرامة للموارد المائية، خاصة أن المياه الجوفية تعد المصدر الرئيسي لتوفير مياه الشرب في أجزاء واسعة من العاصمة.
وأشار خبراء إلى أن حماية مصادر المياه لا ترتبط فقط بجودة الخدمات المقدمة حاليًا، بل تمثل استثمارًا طويل الأمد في صحة المجتمع واستدامة التنمية الحضرية. وأكدوا أن نجاح هذه المبادرة سيعتمد على استمرار عمليات الفحص، وتطبيق نتائج التحاليل على أرض الواقع، وتعزيز التعاون بين السلطات المحلية وشركات المياه والمجتمع، لضمان أن تصبح سلامة مياه الشرب جزءًا ثابتًا من منظومة الخدمات العامة في مقديشو.
واجه قطاع المياه في مقديشو تحديات كبيرة خلال العقود الماضية بسبب آثار الحرب والانهيار المؤسسي، حيث أدى ضعف الرقابة الرسمية إلى توسع دور القطاع الخاص في توفير المياه، مع محدودية الإمكانات المتاحة للتحقق من جودة المصادر المختلفة. ومع مرور الوقت، أصبح ملف سلامة مياه الشرب من القضايا المرتبطة بشكل مباشر بالصحة العامة، خاصة مع الزيادة السكانية والتوسع العمراني المستمر الذي تشهده العاصمة.
ويُنظر إلى إنشاء المختبر الوطني لفحص مياه الشرب باعتباره خطوة تتجاوز الجانب الخدمي، فهو يمثل مؤشرًا على عودة تدريجية لدور المؤسسات الحكومية في تنظيم القطاعات الأساسية وتعزيز ثقة المواطنين بالخدمات العامة. ويرى مراقبون أن هذه التجربة يمكن أن تشكل نموذجًا قابلًا للتوسع في مدن ومناطق صومالية أخرى، إذا ما تم دعمها بالاستمرارية والموارد اللازمة، وتحويل نتائج الفحوصات إلى سياسات عملية تضمن حق المواطنين في مياه آمنة وصحية.














