مقديشو – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
على الرغم من امتلاكها واحدة من أكبر الثروات البحرية في القارة الأفريقية، فإن الصومال ظلت لعقود طويلة غير قادرة على الاستفادة الكاملة من موقعها الجغرافي الفريد ومواردها البحرية الواسعة، بسبب تحديات سياسية وأمنية واقتصادية متراكمة، إلا أن البلاد بدأت اليوم الثلاثاء مرحلة جديدة من إعادة توجيه بوصلتها التنموية نحو البحر، مع افتتاح المؤتمر البحري الصومالي الأول في العاصمة مقديشو، في خطوة استراتيجية تهدف إلى وضع الاقتصاد الأزرق في قلب مشروع الدولة لبناء اقتصاد مستدام وتعزيز الأمن الوطني.
وافتتح رئيس الجمهورية الفيدرالية الصومالية الدكتور حسن شيخ محمود أعمال المؤتمر، مؤكدًا أن المجال البحري الصومالي يمثل أصلًا وطنيًا استراتيجيًا قادرًا على إحداث تحول اقتصادي واسع، ودفع عجلة التنمية، وخلق فرص العمل، وتعزيز ارتباط الصومال بالأسواق الإقليمية والدولية.
وأوضح الرئيس، خلال كلمته الافتتاحية، أن الصومال تمتلك أكثر من 3300 كيلومتر من السواحل الممتدة على المحيط الهندي وخليج عدن، وهي أطول سواحل في البر الرئيسي الأفريقي، إضافة إلى منطقة اقتصادية خالصة غنية بالإمكانات والموارد، ما يمنح البلاد فرصًا كبيرة لتطوير قطاعات الثروة السمكية، والتجارة البحرية، والنقل، والسياحة الساحلية، واستكشاف الموارد البحرية.
وقال الدكتور حسن شيخ محمود إن الشعب الصومالي يجب أن يدرك أن مرحلة الابتعاد عن البحر قد انتهت، مؤكدًا أن مستقبل الاقتصاد والأمن والتنمية في البلاد يرتبط بشكل كبير بقدرة الدولة على استثمار مواردها البحرية وحمايتها، وتحويل الساحل الصومالي إلى منصة اقتصادية إقليمية.
وأضاف الرئيس أن الصومال لا تسعى فقط إلى استعادة أمنها واستقرارها، وإنما تعمل على استعادة مكانتها التاريخية كدولة بحرية مؤثرة في القرن الأفريقي والمحيط الهندي، مشددًا على أن البحر سيكون أحد المحاور الرئيسية في خطط التنمية الوطنية المقبلة.
البحر محور جديد للتنمية
ويأتي انعقاد المؤتمر البحري الأول في مقديشو خلال يومي 4 و5 أغسطس 2026، بمشاركة مسؤولين حكوميين، وخبراء في المجال البحري، وشركاء دوليين، وممثلين عن المؤسسات الاقتصادية والتنموية، لمناقشة مستقبل القطاع البحري الصومالي وآليات تطوير الاقتصاد الأزرق.
ويناقش المؤتمر ملفات متعددة تشمل السيادة البحرية، والأمن البحري، وحماية المياه الإقليمية، وتطوير الموانئ، وتنشيط التجارة البحرية، وتعزيز الاستثمار في قطاع الصيد والسياحة والموارد الطبيعية.
ويمثل المؤتمر خطوة ضمن توجه حكومي واسع يهدف إلى نقل الاقتصاد الصومالي من الاعتماد على القطاعات التقليدية إلى اقتصاد أكثر تنوعًا يستفيد من الموارد الطبيعية والموقع الاستراتيجي للبلاد.
وتؤكد الحكومة الفيدرالية أن الاقتصاد الأزرق لا يقتصر على استغلال الثروة السمكية، بل يشمل منظومة اقتصادية متكاملة ترتبط بالموانئ والخدمات اللوجستية والطاقة البحرية والبحث العلمي والسياحة الساحلية، بما يمكن أن يجعل الصومال مركزًا تجاريًا وبحريًا مهمًا في المنطقة.
الأمن البحري وحماية السيادة
ويتصدر الأمن البحري جدول أعمال المؤتمر، بالنظر إلى الموقع الجيوسياسي للصومال الذي يجعل مياهها الإقليمية جزءًا من أحد أهم الممرات البحرية العالمية.
وتسعى الصومال إلى تعزيز قدراتها في مراقبة وحماية مياهها، ومواجهة التحديات التي تهدد مواردها البحرية، وفي مقدمتها القرصنة، والصيد غير القانوني، والتهريب، والجريمة المنظمة العابرة للحدود.
وخلال السنوات الأخيرة، عملت الحكومة الصومالية على تطوير التشريعات البحرية وتعزيز التعاون مع الشركاء الدوليين من أجل بناء قدرات المؤسسات البحرية، ودعم خفر السواحل، وتحسين آليات حماية الملاحة الدولية.
كما عززت الصومال تعاونها مع الاتحاد الأوروبي في مجال الأمن البحري، من خلال برامج تدريبية ومناورات مشتركة تهدف إلى رفع كفاءة القوات البحرية الصومالية، ومكافحة القرصنة، وضمان أمن السفن التجارية في خليج عدن والمحيط الهندي.
وفي السياق ذاته، توسعت الشراكات البحرية مع دول أخرى، من بينها جنوب أفريقيا، بهدف مواجهة الجرائم البحرية وتعزيز التعاون في مجالات مكافحة الصيد غير المشروع والاتجار بالبشر.
ويرى مراقبون أن تعزيز الأمن البحري يمثل الأساس الذي يمكن أن تُبنى عليه أي استراتيجية ناجحة للاقتصاد الأزرق، إذ إن جذب الاستثمارات البحرية يتطلب بيئة آمنة ومستقرة قادرة على حماية الموارد والمشاريع الاقتصادية.
ثروات بحرية تنتظر الاستثمار
تمتلك الصومال إمكانات بحرية هائلة تجعلها من أكثر الدول الأفريقية امتلاكًا للفرص في مجال الاقتصاد الأزرق، إلا أن ضعف البنية التحتية وقلة الاستثمارات والتحديات الأمنية حالت دون استغلال هذه الموارد خلال العقود الماضية.
ويُعد قطاع الصيد البحري من أبرز المجالات الواعدة، حيث تمتلك المياه الصومالية ثروة سمكية كبيرة يمكن أن تسهم في تعزيز الأمن الغذائي، وتوفير فرص العمل، ورفع مستوى دخل المجتمعات الساحلية.
غير أن الصيد غير القانوني وغير المنظم ظل يمثل تحديًا كبيرًا، حيث تسبب في خسائر اقتصادية ضخمة وحرم الصيادين المحليين من الاستفادة من موارد بلادهم البحرية.
وأكد مسؤولون صوماليون أن حماية الموارد البحرية تمثل أولوية وطنية، مشيرين إلى أن تطوير الاقتصاد الأزرق يمكن أن يوفر آلاف الوظائف، خاصة للشباب، ويدعم التنمية في المناطق الساحلية التي عانت طويلًا من ضعف الخدمات.
كما تعمل الحكومة على تطوير قطاع الموانئ والنقل البحري، بهدف تحويل الساحل الصومالي إلى ممر تجاري يخدم ليس فقط الاقتصاد المحلي، بل دول القرن الأفريقي وشرق أفريقيا.
شراكات دولية وفرص مستقبلية
وأكد الرئيس حسن شيخ محمود أهمية التعاون الدولي في دعم التحول البحري للصومال، مشيدًا بالشراكة الاستراتيجية مع تركيا في تطوير القطاع البحري، وتقديم الخبرات الفنية والتكنولوجيا وبناء القدرات.
وشملت الشراكة الصومالية التركية مجالات متعددة، من بينها تعزيز الأمن الساحلي، وتحسين إدارة الثروة السمكية، ودعم القدرات الوطنية في استكشاف الموارد البحرية.
كما عززت الصومال تعاونها مع الصين في مجال الثروة السمكية، من خلال اتفاقيات تهدف إلى فتح الأسواق أمام المنتجات البحرية الصومالية وتشجيع الاستثمار في مصانع المعالجة وسلاسل التبريد.
وفي الفترة الأخيرة، شهد القطاع البحري الصومالي أيضًا تطورًا في التعاون مع مصر ودول أخرى في مجالات الثروة السمكية والموارد الطبيعية والطاقة البحرية.
وتؤكد الحكومة أن هذه الشراكات تأتي ضمن رؤية وطنية تهدف إلى جعل الصومال دولة بحرية فاعلة، تستفيد من موقعها الاستراتيجي وتتحول إلى حلقة وصل بين أفريقيا وآسيا والأسواق العالمية.
خلفية المشهد
ارتبط تاريخ الصومال بالبحر منذ قرون طويلة، إذ كانت المدن الساحلية الصومالية مراكز تجارية مهمة على طرق الملاحة القديمة التي ربطت شرق أفريقيا بالجزيرة العربية والهند ومناطق أخرى من العالم.
وقد منح الموقع الجغرافي للصومال أهمية استراتيجية كبيرة، باعتبارها تطل على المحيط الهندي وخليج عدن، بالقرب من أهم طرق التجارة البحرية العالمية، إلا أن الصراعات التي مرت بها البلاد خلال العقود الماضية حدّت من قدرتها على استثمار هذه الميزة.
ومع التحولات الاقتصادية العالمية وظهور مفهوم الاقتصاد الأزرق كأحد محركات التنمية الحديثة، بدأت الصومال في إعادة بناء رؤيتها البحرية، عبر تطوير المؤسسات المختصة وتعزيز الحوكمة البحرية وجذب الاستثمارات.
ويمثل المؤتمر البحري الأول في مقديشو بداية مهمة نحو ترسيخ هذه الرؤية، إذ يسعى إلى الانتقال من مرحلة الحديث عن الإمكانات البحرية إلى مرحلة وضع الخطط العملية لاستثمارها وحمايتها.
ويرى خبراء أن نجاح المشروع البحري الصومالي سيعتمد على قدرة الدولة على تطوير البنية التحتية، وتعزيز المؤسسات البحرية، وتحقيق التوازن بين الاستثمار والحفاظ على الموارد الطبيعية.
كما يؤكد محللون أن تحويل البحر إلى محرك اقتصادي حقيقي سيشكل تحولًا تاريخيًا في مسار الدولة الصومالية، ويمنحها فرصة لتعزيز استقلالها الاقتصادي، وترسيخ مكانتها كقوة بحرية صاعدة في القرن الأفريقي والمحيط الهندي.














