مقديشو – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
في إطار مساعيها المتواصلة لتحديث القطاع المالي وتعزيز الاقتصاد الرقمي، كشفت الصومال عن خطة جديدة لتوسيع نظام الدفع الفوري الوطني، بما يفتح المجال أمام بناء شبكة مالية موحدة تربط المصارف التجارية وشركات خدمات الأموال عبر الهاتف المحمول ومختلف شبكات الدفع، في خطوة تهدف إلى تسريع المعاملات المالية، وخفض تكاليف التحويلات، وتوسيع دائرة المستفيدين من الخدمات المصرفية الرسمية، بما يدعم مسار التنمية الاقتصادية والتحول الرقمي في البلاد.
وقال محافظ البنك المركزي الصومالي عبد الرحمن محمد عبد الله إن توسيع نظام الدفع الفوري الصومالي يمثل مرحلة مهمة في مسيرة إصلاح البنية التحتية المالية الوطنية، موضحًا أن النظام يأتي لمعالجة التحديات التي خلفتها سنوات طويلة من عمل المصارف ومشغلي خدمات الأموال عبر الهاتف المحمول ضمن شبكات منفصلة وغير مترابطة. وأكد أن غياب الربط المباشر بين هذه المؤسسات كان يحد من سهولة انتقال الأموال بين مقدمي الخدمات، ويرفع تكلفة المعاملات، ويحرم شريحة من المواطنين من الاندماج الكامل في النظام المالي الرسمي.
وأوضح المحافظ أن النظام الجديد سيشكل تحولًا نوعيًا في طبيعة التعاملات المالية داخل الصومال، حيث سيتيح للمواطنين والشركات إجراء عمليات دفع وتحويل فورية بين مختلف المؤسسات المالية المشاركة، دون الحاجة إلى الاعتماد على قنوات منفصلة. وأضاف أن دمج المصارف مع منصات الأموال عبر الهاتف المحمول سيعزز الشمول المالي، خصوصًا في ظل الانتشار الواسع لاستخدام المحافظ الإلكترونية التي أصبحت وسيلة رئيسية لإدارة المعاملات اليومية لدى ملايين الصوماليين، سواء في المدن أو المناطق النائية.
وتأتي هذه الخطوة استكمالًا لجهود سابقة بدأها البنك المركزي الصومالي لتطوير منظومة المدفوعات الوطنية، حيث جرى عام 2021 ربط المصارف التجارية عبر نظام الدفع الوطني الذي وفر إمكانية تنفيذ التحويلات المالية الكبيرة والتسويات المصرفية بين البنوك بشكل أكثر كفاءة. غير أن المسؤولين أشاروا إلى أن تلك الخطوة لم تكن كافية لتلبية احتياجات المدفوعات اليومية للأفراد والتجار، الأمر الذي دفع إلى إنشاء نظام دفع فوري يعمل على مدار الساعة ويدعم التعاملات الصغيرة والمتوسطة التي تشكل جزءًا أساسيًا من النشاط الاقتصادي اليومي.
وكان البنك المركزي قد أطلق نظام الدفع الفوري الصومالي في يناير/كانون الثاني 2025 وفق المعايير الدولية للرسائل المالية المعروفة باسم معيار “آيزو 20022″، بهدف إنشاء منصة دفع مترابطة تسمح بتنفيذ المعاملات المالية بشكل فوري وآمن بين المؤسسات المشاركة. ومن المتوقع بعد اكتمال عمليات الدمج أن يربط النظام 14 مصرفًا تجاريًا وثماني شركات تقدم خدمات الأموال عبر الهاتف المحمول والمحافظ الإلكترونية، ما سيخلق شبكة مالية وطنية موحدة تدعم التحويلات الشخصية، والمدفوعات التجارية، والمدفوعات الحكومية، وخدمات الشركات المختلفة.
وأشار البنك المركزي إلى أن المرحلة المقبلة ستتضمن دمج نظام الدفع الفوري مع خدمة “سوم كيو آر” (رمز الاستجابة السريع الصومالي)، بهدف تسهيل عمليات الدفع الإلكتروني للتجار وأصحاب المشاريع الصغيرة، بما في ذلك الأنشطة التجارية غير الرسمية التي تمثل جزءًا واسعًا من الاقتصاد المحلي. كما أكد المحافظ أن الصومال تتطلع إلى ربط بنيتها التحتية المالية بالأنظمة الإقليمية والقارية، خاصة بعد انضمامها إلى مجموعة شرق أفريقيا، والعمل على الارتباط بنظام الدفع والتسوية الأفريقي الموحد قبل نهاية عام 2026، بما يعزز اندماجها الاقتصادي مع محيطها الإقليمي.
من جانبه، أشاد وزير المالية الصومالي بيحي أيمان عغي بالجهود التي يقودها البنك المركزي في مجال الإصلاحات المالية وبناء منظومة دفع حديثة ومتكاملة، معتبرًا أن نظام الدفع الفوري الصومالي يمثل استثمارًا استراتيجيًا في مستقبل الاقتصاد الوطني، لما يوفره من شفافية أكبر وكفاءة أعلى ودعم لبيئة الأعمال والاستثمار. وأكد أن تطوير القطاع المالي وتحسين الحوكمة الاقتصادية وتعزيز الإصلاحات المؤسسية تعد من الركائز الأساسية لإطلاق الإمكانات الاقتصادية للصومال، وتحقيق نمو أكثر استدامة وشمولًا يستفيد منه المواطنون في مختلف أنحاء البلاد.
يمثل بناء نظام دفع رقمي موحد في الصومال محطة بارزة ضمن التحولات الاقتصادية التي تشهدها البلاد خلال السنوات الأخيرة، حيث انتقلت الخدمات المالية تدريجيًا من الاعتماد التقليدي على النقد إلى حلول رقمية واسعة الانتشار بفضل النمو الكبير في استخدام الهواتف المحمولة وخدمات التحويل الإلكتروني. وقد أسهم انتشار شركات الأموال عبر الهاتف المحمول في تغيير طبيعة الاقتصاد اليومي، لكنه كشف في الوقت نفسه عن الحاجة إلى منظومة وطنية تربط مختلف الجهات المالية ضمن إطار موحد يضمن الأمان والسرعة والشفافية. ويأتي نظام الدفع الفوري الصومالي في سياق جهود مؤسسات الدولة لبناء قطاع مالي أكثر حداثة وقدرة على دعم التنمية، وربط الاقتصاد الوطني بالأسواق الإقليمية والدولية، وتعزيز ثقة المستثمرين والمواطنين في المؤسسات المالية، بما يساهم في ترسيخ أسس اقتصاد رقمي قادر على خلق فرص جديدة وتحقيق الاستقرار والنمو على المدى الطويل.














