لاسعانود – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
في تطور جديد يسلط الضوء على تعقيدات مرحلة ما بعد النزاع في مدينة لاسعانود، قرر برلمان إدارة شمال شرق الصومال نقل ملف المحتجزين إلى مسار قضائي، بعد سنوات من بقائه ضمن دائرة المفاوضات السياسية المتعلقة بتبادل الأسرى بين الأطراف المتنازعة. وتمثل هذه الخطوة تحولًا مهمًا في طريقة التعامل مع القضية، التي ظلت واحدة من أكثر الملفات حساسية منذ اندلاع المواجهات المسلحة في المنطقة عام 2023، لما تحمله من أبعاد قانونية وإنسانية وسياسية متداخلة.
وجاء قرار البرلمان خلال جلسة استثنائية عقدت أمس الأحد، حيث صوّت الأعضاء بالإجماع على إحالة المحتجزين الموجودين في مدينة لاسعانود إلى الجهات القضائية المختصة، مع مطالبة الحكومة باتخاذ الإجراءات اللازمة لمحاكمة من توجه إليهم اتهامات تتعلق بالتهجير والقتل الجماعي وغيرها من الجرائم الخطيرة، وفقًا للقوانين المعمول بها. كما شدد القرار على أهمية أن تتم الإجراءات القضائية بشفافية كاملة، وأن تضمن حماية الحقوق القانونية لجميع الأطراف، بما يحقق العدالة ويحافظ على المعايير القانونية.
ورغم أن القرار البرلماني لم يذكر اسم أرض الصومال بصورة مباشرة، ولم يستخدم وصف “أسرى حرب” للمحتجزين، كما لم يحدد العدد الإجمالي للأشخاص الذين يشملهم القرار، فإن أعضاء البرلمان أوضحوا أن المقصود هم المقاتلون الذين تم احتجازهم خلال النزاع المسلح الذي شهدته مدينة لاسعانود ومحيطها عام 2023. ويأتي هذا التحرك في وقت لا تزال فيه قضية المحتجزين تمثل نقطة خلاف رئيسية بين الجانبين، وسط اختلاف واضح في طريقة التعامل معها بين المسار التفاوضي والمسار القضائي.
ويعكس القرار الجديد ابتعادًا عن النهج السابق الذي كان يعتمد بشكل أساسي على المفاوضات غير المباشرة والجهود الرامية إلى تنفيذ عمليات تبادل للمحتجزين. فقد ظلت سلطات أرض الصومال تؤكد أن الإفراج عن المحتجزين يجب أن يتم ضمن اتفاق شامل ومتبادل يضمن إطلاق سراح المحتجزين لدى الطرفين في وقت واحد، باعتبار ذلك جزءًا من تفاهم سياسي أوسع. وفي هذا السياق، أكد نائب وزير التعليم في أرض الصومال، محمد موسى حاجي عبد الله غليط، أن الإفراج عن المحتجزين من الجانبين سيكون مرتبطًا بالتوصل إلى اتفاق نهائي يحظى بموافقة الأطراف المعنية.
ولا تزال هناك تساؤلات عديدة حول الجوانب التنفيذية للقرار، بما في ذلك عدد المحتجزين المشمولين بالإجراءات، وطبيعة المحاكم التي ستتولى النظر في القضايا، والموعد المتوقع لبدء المحاكمات. كما لم يصدر حتى الآن موقف رسمي واضح من المسؤولين في لاسعانود أو هرجيسا بشأن القرار البرلماني، في وقت يترقب فيه المتابعون تأثير هذه الخطوة على مستقبل المفاوضات المتعلقة بالمحتجزين، وعلى مستوى التوتر السياسي بين الجانبين.
ويرتبط ملف المحتجزين بالنزاع الذي اندلع في مدينة لاسعانود في فبراير/شباط 2023، واستمر نحو تسعة أشهر قبل أن ينتهي في أغسطس من العام ذاته، عقب سيطرة قوات اس اس سي-خاتمو على قاعدة غوجعادي العسكرية الاستراتيجية وانسحاب قوات أرض الصومال منها. وخلال فترة النزاع، شهدت المنطقة مواجهات عنيفة خلفت آثارًا إنسانية كبيرة، فيما تدخلت منظمات دولية، من بينها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، لمتابعة أوضاع المحتجزين لدى مختلف الأطراف وتقديم الدعم الإنساني وفق اختصاصاتها.
وأكد خبراء قانونيون أن نقل ملف المحتجزين إلى القضاء يتطلب مراعاة دقيقة لقواعد القانون الدولي الإنساني، موضحين أن المشاركة في الأعمال القتالية بحد ذاتها لا تشكل أساسًا كافيًا للمحاكمة، ما لم ترتبط باتهامات بارتكاب جرائم حرب أو انتهاكات جسيمة أخرى. كما شددوا على ضرورة أن تتم أي محاكمات أمام جهات قضائية مستقلة ومحايدة، تضمن حق الدفاع وتلتزم بالمعايير القانونية المعترف بها، حتى لا يتحول الملف إلى أداة للصراع السياسي بدلًا من كونه مسارًا لتحقيق العدالة.
ويأتي القرار البرلماني في ظل مرحلة سياسية حساسة داخل إدارة شمال شرق الصومال، حيث شهدت المؤسسة التشريعية نفسها تطورات داخلية، من بينها التصويت على رفع الحصانة عن خمسة أعضاء بعد استقالتهم مؤخرًا، وهو ما يعكس وجود نقاشات وخلافات داخلية بالتزامن مع محاولات تعزيز مؤسسات الإدارة الجديدة وتحديد توجهاتها السياسية والقانونية.
وتجدر الإشارة إلى أن قضية المحتجزين بين شمال شرق الصومال وأرض الصومال تعد من أكثر الملفات ارتباطًا بمستقبل الاستقرار في المناطق المتأثرة بنزاع لاسعانود، إذ لا تقتصر تداعياتها على الجانب الأمني فقط، بل تمتد إلى الجوانب الإنسانية والاجتماعية والسياسية. فمع مرور الوقت، أصبحت القضية مرتبطة بمطالب العائلات بمعرفة مصير أبنائها، وبالحاجة إلى معالجة قانونية تحفظ الحقوق وتمنع تكرار الأزمات.
كما أن طريقة إدارة هذا الملف ستشكل اختبارًا مهمًا لقدرة الأطراف المعنية على تحقيق التوازن بين متطلبات العدالة من جهة، والحاجة إلى تخفيف التوترات وبناء الثقة من جهة أخرى. ويرى مراقبون أن أي مسار ناجح لمعالجة قضية المحتجزين يجب أن يجمع بين الشفافية القانونية، والالتزام بالمعايير الإنسانية، والحوار المسؤول، بما يفتح الباب أمام حلول أكثر استدامة تساعد على تجاوز آثار النزاع وتعزيز فرص السلام والاستقرار في المنطقة.














