ليس أجمل من أن يرفع الإنسان اسم وطنه في ميدان القرآن الكريم، وليس أكرم من أن يكون التفوق في كتاب الله سببًا للفخر والاعتزاز. ومن هنا، فإن فوز ثلاثة من الأيتام الصوماليين بالمراكز الثلاثة الأولى في مسابقة المؤسس الشيخ جاسم بن محمد آل ثاني للقرآن الكريم، فرع «رفقاء» المخصص لأيتام قطر الخيرية الدوليين، يمثل إنجازًا يستحق الإشادة والاحتفاء، لا بوصفه نجاحًا فرديًا فحسب، وإنما باعتباره صورة مشرقة للصومال وأبنائه، ورسالة تؤكد أن العناية بالإنسان قادرة على صناعة التميز والإنجاز.
وقد حقق هذا الإنجاز كل من عبدالغني عبدالقادر الشيخ، وعبدالرحمن قاسم محمد، وعبدالرحمن أحمد محمود، من بين ثلاثين حافظًا للقرآن الكريم من الأيتام الذين تتكفل بهم قطر الخيرية من خلال مكاتبها المنتشرة في عدد من دول العالم. إن حصول أبناء الصومال على المراكز الثلاثة الأولى في منافسة قرآنية بهذا المستوى يؤكد أن اليتيم، متى وجد الرعاية والعناية والبيئة المناسبة، قادر على أن يصنع النجاح وأن يحمل اسم بلاده في المحافل الدولية بصورة تليق به وبوطنه.
وإنني أتقدم بخالص التهاني والتبريكات إلى أبنائنا الفائزين، وإلى أسرهم ومجتمعهم، وإلى الشعب الصومالي عامة، على هذا الإنجاز المبارك. لقد أظهر هؤلاء الفتية أن حفظ القرآن ليس مجرد إنجاز في الحفظ والتلاوة، بل هو بناء للإنسان، وتهذيب للأخلاق، وترسيخ للهوية والقيم، وفتح لأبواب الأمل أمام الأجيال القادمة. كما يؤكد هذا النجاح أن الاستثمار في الإنسان يظل من أعظم صور الاستثمار التي يمكن أن تنهض بها المجتمعات.
القرآن الكريم في وجدان الأمة الصومالية
للقرآن الكريم مكانة راسخة وعميقة في المجتمع الصومالي؛ فهو ليس كتابًا للتلاوة فحسب، بل جزء أصيل من الذاكرة الدينية والثقافية والاجتماعية للصوماليين. فمنذ الصغر يتعلم الأطفال القرآن في الكتاتيب والمدارس القرآنية (دوكسي)، ويتناقل الآباء والأمهات هذا التقليد جيلًا بعد جيل، حتى غدا حفظ كتاب الله وتعليمه واحدًا من أبرز مظاهر التدين والحياة الاجتماعية في الصومال.
وقد لعبت المدارس القرآنية والعلماء والمعلمون دورًا تاريخيًا في الحفاظ على الهوية الإسلامية للمجتمع الصومالي، وفي ترسيخ قيم العلم والأخلاق والتكافل والانضباط. ولذلك، فإن نجاح ثلاثة أيتام صوماليين في مسابقة دولية للقرآن الكريم لا يمثل نجاحًا لأصحابه فحسب، بل يعكس جانبًا من عمق الثقافة القرآنية المتجذرة في المجتمع الصومالي، وما توليه الأسر والمؤسسات التعليمية من عناية بحفظ كتاب الله وتعليمه.
والأهم من ذلك أن هذا الإنجاز يبعث رسالة بالغة الأهمية: الأيتام ليسوا عنوانًا للحاجة فقط، وإنما يمكن أن يكونوا عنوانًا للتميز والعطاء والإنجاز، متى أُتيحت لهم الرعاية الكريمة والفرصة العادلة. فخلف كل طفل تتيم إمكانات قد لا تظهر إلا حين يجد من يمد له يد الرعاية، ويفتح أمامه أبواب العلم، ويمنحه الثقة والفرصة.
قطر الخيرية.. عطاء يتجاوز الرعاية
ولا يمكن الحديث عن هذا الإنجاز دون الإشادة بالدور الإنساني الذي تقوم به قطر الخيرية في الصومال في مجال رعاية الأيتام ودعمهم، إلى جانب ما تقدمه من مبادرات إنسانية وتنموية وتعليمية.
إن كفالة اليتيم ليست مجرد مساعدة مادية مؤقتة، وإنما هي مسؤولية إنسانية ورسالة نبيلة تتجاوز توفير الاحتياجات الأساسية إلى الإسهام في بناء الإنسان وحمايته ومنحه فرصة كريمة لصناعة مستقبله. وما أجمل أن تتحول هذه الرعاية إلى حافظ لكتاب الله، وإلى طالب علم، وإلى إنسان قادر على خدمة مجتمعه ووطنه.
ومن هنا، فإن الشكر والتقدير موصولان إلى دولة قطر الشقيقة، قيادةً وشعبًا، على ما تقدمه من دعم إنساني متواصل للشعب الصومالي، وإلى قطر الخيرية والعاملين فيها على جهودهم في رعاية الأيتام وخدمة كتاب الله، وعلى ما يقدمونه من نموذج مشرّف في العمل الإنساني والتنموي.
كما أتقدم بالشكر والتقدير إلى سفارة جمهورية الصومال الفيدرالية لدى دولة قطر على اهتمامها بهذا الإنجاز وحرصها على تهنئة أبنائها والاحتفاء بنجاحهم، وهو موقف يعكس أهمية الدور الذي تضطلع به المؤسسات الوطنية في دعم أبناء الوطن، وتشجيعهم، وإبراز إنجازاتهم في المحافل الدولية.
فخر للصومال ورسالة للمستقبل
إن حصول الصومال على المراكز الثلاثة الأولى ليس مجرد نتيجة في مسابقة قرآنية؛ إنه إنجاز يحمل دلالات أعمق من مجرد الترتيب في منافسة، ويقدم صورة مشرقة عن طاقات أبناء الصومال وقدرتهم على التميز متى وجدوا الرعاية والفرصة. ففي الوقت الذي يحتاج فيه الصومال إلى نماذج إيجابية تبرز طاقاته البشرية، يأتي هؤلاء الأيتام ليقدموا صورة مختلفة عن وطنهم، صورة العلم والقرآن والأخلاق والطموح، ويؤكدوا أن في هذا الوطن أجيالًا قادرة على حمل رسالته ورفع اسمه عاليًا.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية لهذا الإنجاز: أن أبناء الصومال قادرون على المنافسة والتميز متى وجدوا الرعاية والفرصة، وأن الاستثمار في الأجيال الصاعدة ليس رعاية للحاضر فحسب، بل تأسيس لمستقبل أكثر إشراقًا واستقرارًا.
هنيئًا لعبدالغني عبدالقادر الشيخ، وعبدالرحمن قاسم محمد، وعبدالرحمن أحمد محمود بهذا الفوز المشرف، وهنيئًا لأسرهم ووطنهم بهم. وهنيئًا للصومال بهذا الإنجاز القرآني الذي رفع رايته في الدوحة، وأظهر جانبًا مشرقًا من أبنائه أمام العالم.
والشكر والتقدير لدولة قطر وشعبها الكريم، ولقطر الخيرية في الصومال، ولكل من أسهم في رعاية هؤلاء الأبناء وتعليمهم وتشجيعهم، وللسفارة الصومالية في الدوحة على اهتمامها واحتفائها بهذا النجاح.
إنها قصة نجاح قد تبدو صغيرة في حجمها، لكنها كبيرة في معناها وأثرها؛ قصة تؤكد أن القرآن الكريم قادر على أن يجمع القلوب، ويبني الإنسان، ويصنع الأمل، وأن رعاية اليتيم حين تقترن بالعلم والإيمان يمكن أن تفتح أمامه طريقًا إلى التميز، وتحول نجاحه الفردي إلى مصدر فخر لوطن بأكمله.
حفظ الله الصومال وأبناءه، وبارك في أهل قطر وعطائهم، ووفق قطر الخيرية والقائمين عليها لمواصلة رسالتها الإنسانية النبيلة، وجعل القرآن الكريم نورًا وهدايةً وبناءً للأجيال، وسببًا في رفعة الإنسان وصلاح المجتمعات.












