واشنطن – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
في خطوة تعكس استمرار الجدل داخل الأوساط السياسية الأمريكية حول آليات تقييم الأوضاع الأمنية في منطقة القرن الإفريقي، طالب السيناتور الجمهوري الأمريكي تيد كروز وزارة الخارجية الأمريكية بإعادة النظر في طريقة تصنيف إقليم صوماليلاند (أرض الصومال) ضمن تحذيرات السفر الخاصة بالصومال، داعيًا إلى إعداد تقييم أمني مستقل للإقليم وإصدار إرشادات سفر منفصلة تراعي، بحسب قوله، طبيعة الظروف الأمنية والسياسية المختلفة عن مناطق أخرى في البلاد.
وجاءت مطالبة كروز عبر خطاب رسمي وجهه إلى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، دعا فيه إلى تكليف إدارة الأمن الدبلوماسي التابعة لوزارة الخارجية بإجراء مراجعة أمنية مصنفة لصوماليلاند، بهدف تحديد مستوى المخاطر بشكل منفصل ووضع توصيات سفر خاصة بالإقليم، بدل استمرار تطبيق التحذير العام المفروض على كامل الأراضي الصومالية.
وأوضح السيناتور الأمريكي أن وزارة الخارجية تعتمد حاليًا تحذير سفر من المستوى الرابع “لا تسافر” تجاه الصومال، وهو التصنيف الذي يشمل صوماليلاند أيضًا، مستندًا إلى مخاوف تتعلق بالإرهاب والاختطاف والجريمة والاضطرابات المدنية. إلا أن كروز اعتبر أن هذا التقييم الموحد لا يعكس، وفق رؤيته، الفروقات القائمة بين مختلف المناطق الصومالية، ولا يقدم صورة دقيقة عن طبيعة الوضع داخل الإقليم.
وأشار كروز في خطابه إلى أن صوماليلاند تتمتع بدرجة من الاستقرار السياسي والأمني مقارنة بمناطق أخرى في الصومال، مؤكدًا أن الإقليم حافظ على مؤسسات محلية مستقلة وأدار شؤونه الداخلية منذ ما يقرب من ثلاثة عقود. كما أشار إلى ما وصفه بتجارب انتخابية وعمليات انتقال للسلطة جرت بصورة سلمية، معتبرًا أن هذه المعطيات تستوجب اعتماد تقييم أمني خاص يأخذ في الاعتبار الواقع الميداني.
وأكد السيناتور الجمهوري أن صوماليلاند تمثل شريكًا أمنيًا ودبلوماسيًا مهمًا للولايات المتحدة في منطقة القرن الإفريقي، موضحًا أن تعزيز التعاون معها يتطلب توفير سياسات أكثر دقة ووضوحًا، خاصة في مجالات السفر والاستثمار والتواصل الدبلوماسي. وأضاف أن وجود إرشادات منفصلة من شأنه أن يساعد المواطنين والشركات الأمريكية على اتخاذ قرارات مبنية على معلومات أكثر تحديدًا.
وانتقد كروز السياسة الحالية لوزارة الخارجية الأمريكية، معتبرًا أنها تؤدي إلى مساواة المناطق التي تتمتع بمستويات أعلى من الاستقرار بالمناطق التي تواجه تهديدات أمنية متواصلة. ووصف هذا النهج بأنه يؤدي إلى ما سماه “معاقبة النجاح ومكافأة الفشل”، مشيرًا إلى أن استمرار التصنيف الحالي قد يحد من فرص الاستثمار الأمريكي ويعقد حركة الوفود الرسمية ورجال الأعمال والمنظمات الدولية.
وأوضح السيناتور الأمريكي أن آثار التحذيرات الأمنية لا تقتصر على حركة السفر فقط، بل تمتد إلى العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية، من خلال زيادة المتطلبات الأمنية ورفع تكاليف التحركات الرسمية، الأمر الذي قد يؤثر على فرص بناء شراكات جديدة في منطقة ذات أهمية استراتيجية. وشدد على أن التقييمات الأمنية الأكثر تفصيلًا ستساعد واشنطن على تبني سياسات أكثر فاعلية وواقعية.
واستشهد كروز بالسياسات التي تعتمدها الولايات المتحدة في دول أخرى، حيث يتم تقييم المخاطر الأمنية على مستوى الولايات أو الأقاليم وليس وفق تصنيف موحد للدولة بأكملها. واعتبر أن اعتماد منهج مشابه في الصومال يمكن أن يوفر قراءة أكثر دقة للأوضاع، ويسمح بالتمييز بين المناطق وفق طبيعة التحديات ومستويات الاستقرار.
ودعا السيناتور الأمريكي الإدارة الأمريكية إلى اتخاذ خطوات عملية تشمل إجراء تقييم أمني مستقل لصوماليلاند وإصدار إرشادات سفر خاصة بها، مؤكدًا أن هذه الخطوة ستدعم المصالح الأمريكية وتعزز قدرة واشنطن على التعامل مع مختلف الأطراف الفاعلة في القرن الإفريقي وفق معطيات واقعية.
وتأتي مطالبة كروز في ظل تصاعد الاهتمام الدولي بمنطقة القرن الإفريقي، التي باتت تحظى بأهمية متزايدة بسبب موقعها الجغرافي الحساس بالقرب من البحر الأحمر وخليج عدن، ودورها في ملفات الأمن البحري ومكافحة الإرهاب وحماية طرق التجارة العالمية. ويرى مراقبون أن أي مراجعة محتملة للسياسة الأمريكية تجاه تصنيف المناطق الصومالية قد تحمل انعكاسات سياسية واقتصادية، خصوصًا في ظل استمرار النقاش حول الوضع السياسي لصوماليلاند وعلاقتها بالحكومة الفيدرالية الصومالية.
يمثل ملف التحذيرات الأمنية الدولية تجاه الصومال جزءًا من نقاش أوسع حول كيفية تعامل القوى الدولية مع الدول التي تشهد تفاوتًا في مستويات الأمن والاستقرار بين أقاليمها المختلفة. فمنذ إعلان صوماليلاند انفصالها من جانب واحد عام 1991، حافظ الإقليم على مؤسسات سياسية وإدارية وأمنية منفصلة عن الحكومة الفيدرالية في مقديشو، وأدار شؤونه الداخلية عبر نظام خاص به، رغم عدم حصوله على اعتراف دولي كدولة مستقلة. وخلال العقود الماضية، ركز الإقليم على بناء علاقات خارجية وتعزيز حضوره الدبلوماسي والسعي لجذب الاستثمارات الدولية، بينما تتمسك الحكومة الفيدرالية الصومالية بمبدأ وحدة الأراضي الصومالية وضرورة معالجة القضايا السياسية عبر الحوار. وفي ظل الأهمية الاستراتيجية المتزايدة للقرن الإفريقي، أصبح موضوع تقييم المخاطر الأمنية وإصدار التحذيرات الدولية من الملفات التي تتقاطع فيها الاعتبارات الأمنية مع المصالح الاقتصادية والسياسية، وسط دعوات لاعتماد مقاربات أكثر دقة تراعي خصوصية كل منطقة، مقابل مخاوف من أن تحمل مثل هذه التقييمات أبعادًا سياسية مرتبطة بالوضع القانوني والسياسي للأقاليم.















