بيدوا – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
تتسع تداعيات الجفاف الممتد في الصومال، مع اضطرار آلاف الأسر إلى مغادرة مناطقها الريفية بعد استنفاد ما لديها من مياه وغذاء ومواشٍ ومصادر دخل، في وقت تتزايد فيه مستويات الجوع وتتراجع المساعدات الإنسانية. وتبرز مدينة بيدوا في إقليم باي كإحدى أهم الوجهات التي تستقبل الأسر الفارة من الجفاف وانعدام الأمن ونقص الغذاء، وسط تحذيرات من أن استمرار الأزمة قد يفاقم الأوضاع الإنسانية خلال الأشهر المقبلة.
وتنقل وكالة أسوشيتد برس، في تقرير نشرته اليوم الأربعاء، شهادات لأسر وصلت إلى بيدوا بعد رحلات نزوح شاقة من مناطق متضررة من الجفاف. ومن بين هذه الأسر عائلة لول محمد، التي وصلت إلى المدينة في الثالث من أغسطس الجاري برفقة أطفالها الخمسة، بعد رحلة استمرت قرابة أسبوعين انطلقت من ساكو في إقليم جوبا الوسطى، على مسافة تزيد على 300 كيلومتر، متنقلة بين عدة مناطق بحثًا عن مكان يمكنها فيه الحصول على الغذاء والمياه.
وبحسب التقرير، تواجه نحو مليوني شخص مستويات طارئة من انعدام الأمن الغذائي، وفق منظمة بلان إنترناشونال، وهو أكثر من ضعف العدد المسجل العام الماضي. وتدعو المنظمة، إلى جانب الوكالة الوطنية لإدارة الكوارث، إلى زيادة المساعدات الدولية لمواجهة الاحتياجات المتنامية، في وقت أدت فيه سنوات الجفاف والصراع والضغوط الاقتصادية إلى إضعاف قدرة المجتمعات الريفية على الصمود والاستمرار في مناطقها الأصلية.
وتشير أسوشيتد برس إلى أن بيدوا تستقبل أعدادًا كبيرة من النازحين الذين تجمعوا في مستوطنات واسعة على أطراف المدينة. ووفق منظمة بلان إنترناشونال، تستضيف المدينة نحو 1.6 مليون شخص، يقارب النازحون نصفهم، فيما تواجه أسر كثيرة صعوبة في الحصول على مياه آمنة؛ إذ تفتقر واحدة من كل خمس أسر إلى وصول موثوق للمياه، ما يدفع النازحين إلى شراء المياه المنقولة بالشاحنات بأسعار مرتفعة لا تستطيع كثير من الأسر تحملها.
ولا تتوقف آثار الجفاف عند النزوح وفقدان مصادر الدخل، بل تمتد بصورة مباشرة إلى الأطفال، مع ارتفاع مستويات سوء التغذية والحاجة إلى العلاج. ووفق البيانات التي أوردها التقرير، أظهرت بيانات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي الصادرة في مايو أن نحو نصف الأطفال دون سن الخامسة في الصومال كانوا يواجهون سوء تغذية حادًا، فيما قالت بلان إنترناشونال، نقلًا عن منظمة أنقذوا الأطفال، إن عدد الأطفال الذين يتلقون العلاج من أشد أشكال سوء التغذية خطورة في بيدوا اقترب من ثلاثة أمثال مستواه خلال ستة أشهر.
وقال اختصاصي التغذية في بيدوا، الدكتور عمر عبد الكريم، إن سوء التغذية منتشر في المنطقة، وإن أعدادًا كبيرة من المرضى الذين تصل إلى مرافق العلاج تعاني من سوء التغذية، مشيرًا إلى أن الحالات تأتي من إقليم باي، إلى جانب بكول وغدو المجاورين. كما تواجه المجتمعات المتضررة مخاطر صحية إضافية، من بينها الدفتيريا والحصبة والملاريا والكوليرا والإسهال الحاد، ما يزيد الضغط على الخدمات الصحية في المناطق التي تستقبل النازحين.
وتزداد المخاوف من أن تواجه الأسر المتضررة صدمة مناخية جديدة خلال موسم الأمطار المقبل، بعدما أعلنت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة أن احتمال تطور ظروف النينيو اعتبارًا من منتصف العام الجاري يتجاوز 90%، مع توقع اشتداد تأثيراتها خلال موسم الأمطار في الفترة من أكتوبر إلى ديسمبر، بما قد يرفع مخاطر هطول أمطار غزيرة وحدوث فيضانات. وقد تؤدي هذه التطورات إلى إتلاف المحاصيل والمساكن وتلوث مصادر المياه ودفع مزيد من الأسر إلى النزوح، في وقت لم تتمكن فيه كثير من المجتمعات من التعافي من آثار الجفاف الممتد.
وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه الاستجابة الإنسانية في الصومال ضغوطًا كبيرة بسبب نقص التمويل، بينما تتزايد الاحتياجات المرتبطة بالغذاء والمياه والصحة والنزوح. وتظهر أحدث المعطيات أن الأزمة لا تقتصر على آثار الجفاف وحده، بل تتداخل معها عوامل الصراع والارتفاع في تكاليف المعيشة وتراجع مصادر الدخل، ما يجعل قدرة الأسر على مواجهة موسم جديد من الصدمات أكثر محدودية.
يذكر أن الصومال تواجه دورات متكررة من الجفاف والفيضانات، أدت خلال السنوات الماضية إلى تدمير مصادر العيش ونزوح أعداد كبيرة من السكان من المناطق الريفية نحو المدن ومراكز التجمعات الإنسانية. ومع استمرار الجفاف وتراجع التمويل، أصبحت بيدوا إحدى أبرز نقاط استقبال الأسر المتضررة، فيما يهدد احتمال هطول أمطار غزيرة وفيضانات خلال الأشهر المقبلة بإضافة أزمة جديدة إلى واقع إنساني هش. وتبرز الحاجة إلى مواصلة دعم الاستجابة الإنسانية، مع التركيز على الغذاء والمياه والتغذية والصحة والاستعداد المبكر للمخاطر المناخية، للحد من اتساع دائرة النزوح وتدهور الأوضاع المعيشية.














