مقديشو – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
تدخل المشاورات السياسية في الصومال مرحلة جديدة مع اقتراب موعد اجتماع مرتقب بين الحكومة الفيدرالية وقيادات بارزة في المعارضة، في ظل مساعٍ متزايدة لاحتواء الخلافات بشأن الانتخابات المقبلة وتهيئة أرضية مشتركة للحوار حول مستقبل العملية السياسية. ووفق معلومات متداولة في الأوساط السياسية، يجري التحضير لعقد الاجتماع في العاصمة مقديشو يوم 20 أغسطس الجاري، وسط اتصالات مكثفة بين الأطراف المعنية لترتيب المشاركة وتحديد الملفات التي ستطرح على طاولة النقاش.
ويأتي التحرك في وقت تشهد فيه الساحة السياسية نقاشًا واسعًا حول شكل الانتخابات المقبلة وآليات تنظيمها والجهات التي ينبغي أن تضطلع بمسؤولية إدارتها والإشراف عليها. وقد أدى استمرار التباين في وجهات النظر خلال الفترة الماضية إلى تعثر عدد من محاولات الحوار، ما دفع الأطراف إلى البحث عن مسار أكثر انتظامًا يمكن من خلاله مناقشة الخلافات بصورة مباشرة والوصول إلى تفاهمات تتجاوز المواقف المتبادلة.
وتشير المعلومات المتداولة إلى أن الأيام التي تسبق الاجتماع ستشهد مشاورات إضافية بين القوى السياسية بهدف تنسيق المواقف وتضييق مساحة الخلاف حول جدول الأعمال. كما تتحدث المعطيات عن وجود مؤشرات على قدر من التقارب في بعض القضايا، إلى جانب استمرار ملفات أخرى تحتاج إلى مفاوضات سياسية معمقة، خصوصًا تلك المرتبطة بضمانات العملية الانتخابية وآليات اتخاذ القرار بشأنها.
وتبرز مسألة تشكيل لجنة انتخابية مشتركة بين الحكومة والمعارضة باعتبارها واحدة من أكثر القضايا حساسية في النقاشات الجارية. وترى المعارضة أن إشراك ممثلين عنها في اللجنة يمكن أن يعزز الثقة في العملية ويمنح مختلف القوى السياسية شعورًا أكبر بالمشاركة في وضع وإدارة ترتيبات الانتخابات، في حين لا يزال موقف الحكومة من الصيغة المقترحة وتفاصيلها بحاجة إلى مزيد من الوضوح والتوافق.
كما يظل الدور الذي يمكن أن يؤديه الشركاء الدوليون في دعم العملية الانتخابية ومتابعتها حاضرًا في المشاورات السياسية، في ظل تحركات دبلوماسية تهدف إلى تقريب وجهات النظر وتشجيع الأطراف على التوصل إلى تسوية. وتدفع هذه الجهود باتجاه اتفاق سياسي يضمن إجراء الانتخابات في أجواء مستقرة، مع احترام المؤسسات الوطنية وعدم السماح للخلافات حول الدعم أو المراقبة الدولية بأن تتحول إلى عقبة إضافية أمام التوافق.
ومن المتوقع، بحسب المعلومات المتداولة، أن تضم قائمة ممثلي المعارضة الرئيس الأسبق شريف شيخ أحمد، وزعيم ولاية بونتلاند سعيد عبد الله دني، وزعيم ولاية جوبالاند أحمد محمد إسلام «أحمد مدوبي»، إضافة إلى الرئيس السابق محمد عبد الله محمد (فرماجو). وفي الجانب الحكومي، يتوقع أن يقود الرئيس حسن شيخ محمود وفد الحكومة في حال انعقاد اللقاء وفق الترتيبات المتداولة، بينما لم تعلن بصورة رسمية ونهائية جميع تفاصيل المشاركة.
ويحمل حضور هذه الشخصيات في اجتماع واحد دلالة سياسية مهمة، بالنظر إلى مواقعها وتأثيرها في المشهد الوطني، وقدرتها على التأثير في مواقف قطاعات واسعة من القوى السياسية. ومن شأن الحوار المباشر بينها وبين الحكومة أن يتيح فرصة لمناقشة الملفات الخلافية بعيدًا عن التصعيد الإعلامي والبيانات السياسية، كما قد يساعد في تحديد نقاط الاتفاق والخلاف بصورة أكثر دقة.
ولا تقتصر أهمية المشاورات على مسألة تحديد شكل الانتخابات فحسب، إذ يرتبط بها مستقبل العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والقوى السياسية والولايات الأعضاء في الاتحاد الفيدرالي. ولذلك فإن أي تفاهم بشأن العملية الانتخابية يمكن أن تكون له انعكاسات أوسع على الاستقرار السياسي، وعلى مستوى التعاون بين المؤسسات الفيدرالية والإدارات الإقليمية خلال المرحلة المقبلة.
وفي المقابل، فإن استمرار الخلافات دون الوصول إلى آلية حوار فعالة قد يؤدي إلى زيادة حالة الاستقطاب السياسي، خصوصًا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية. وتدرك مختلف الأطراف أن إدارة الخلافات عبر المؤسسات والحوار تظل أقل كلفة من الدخول في مواجهة سياسية مفتوحة، الأمر الذي يجعل المرحلة الحالية اختبارًا لقدرة النخب السياسية على إيجاد مساحات مشتركة رغم اختلاف المصالح والمواقف.
وتتجه الأنظار كذلك إلى طبيعة المخرجات التي يمكن أن ينتجها الاجتماع في حال انعقاده، وما إذا كانت الأطراف ستتمكن من الاتفاق على لجنة أو آلية مشتركة لمواصلة الحوار، إلى جانب وضع إطار زمني لمعالجة الملفات العالقة. فنجاح الاجتماع لن يقاس فقط بالبيانات الصادرة بعده، وإنما بقدرته على إطلاق مسار تفاوضي مستمر يمكن البناء عليه في المراحل اللاحقة.
كما أن أي اتفاق سياسي بشأن الانتخابات سيحتاج إلى ضمانات عملية وآليات تنفيذ واضحة، بما يمنع عودة الخلافات عند الانتقال من مرحلة التفاوض إلى مرحلة التطبيق. ويشمل ذلك تحديد المسؤوليات، وتنظيم العلاقة بين المؤسسات المعنية، وضمان مشاركة القوى السياسية، إلى جانب معالجة المخاوف المرتبطة بالرقابة والإشراف والشفافية.
ويظل الموعد المتداول للاجتماع بحاجة إلى تأكيد رسمي من الجهات المعنية، في وقت تستمر فيه الاتصالات السياسية بين الأطراف. ومع ذلك، فإن مجرد تكثيف المشاورات وطرح فكرة جمع الحكومة والمعارضة في لقاء واحد يعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية الحوار في هذه المرحلة، خصوصًا مع اقتراب الاستحقاقات السياسية التي ستحدد جانبًا مهمًا من مسار البلاد خلال السنوات المقبلة.
الجدير بالذكر أن المشهد السياسي الصومالي شهد خلال السنوات الأخيرة تباينات متكررة حول إدارة الانتخابات وترتيباتها، غالبًا ما ارتبطت بالخلاف حول القواعد الانتخابية والجهات المشرفة عليها وحدود صلاحيات المؤسسات المختلفة. ومع اقتراب استحقاق انتخابي جديد، تبدو الحاجة أكبر إلى بناء تفاهم سياسي يضمن وضوح القواعد وقبولها من الأطراف الرئيسية، لأن استقرار العملية الانتخابية لا يعتمد على الإجراءات الفنية وحدها، وإنما على مستوى الثقة السياسية التي تسبقها وترافقها. ومن هذا المنطلق، فإن الحوار المرتقب بين الحكومة والمعارضة يمثل فرصة لإعادة بناء جسور التواصل، وتحويل الخلافات من مصدر للتوتر إلى موضوعات قابلة للتفاوض، بما قد يفتح الطريق أمام تسوية سياسية أكثر استدامة، ويعزز قدرة الصومال على إدارة تنافسه السياسي عبر المؤسسات والحوار والتوافق الوطني.














