مينيابوليس – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
تجدد الجدل داخل الولايات المتحدة بشأن قضايا الهوية والتنوع الديني والثقافي، عقب انتقادات واسعة وجهتها قيادات من الجالية الصومالية والمسلمة في ولاية مينيسوتا لمنشور للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تضمن صورة لأطفال صوماليين مسلمين خلال مناسبة مدرسية، معتبرين أن استخدام صورة أطفال في سياق سياسي يمثل تجاوزًا غير مقبول، ويثير مخاوف بشأن تأثير الخطاب العام على شعور الأطفال بالأمان والانتماء داخل المجتمع الأمريكي.
وأثارت القضية اهتمامًا واسعًا بعد نشر ترامب صورة لعدد من الطالبات الصغيرات خلال حفل تخرج لرياض الأطفال في أكاديمية “غيتواي للعلوم والتكنولوجيا” بمدينة سانت بول، حيث ركز التعليق المصاحب للصورة على ارتداء بعض الفتيات للحجاب. ورأت شخصيات مجتمعية ودينية أن تناول مظهر الأطفال الديني في إطار سياسي قد يؤدي إلى تعزيز صور نمطية خاطئة عن المسلمين والصوماليين، مؤكدين أن الحجاب يمثل ممارسة دينية وثقافية لدى كثير من الأسر، ولا ينبغي أن يكون سببًا للتمييز أو الاستهداف.
وأكدت قيادات الجالية الصومالية والمسلمة أن الأطفال يجب أن يكونوا خارج دائرة التجاذبات السياسية، وأن المدارس ينبغي أن تبقى أماكن آمنة تحتضن جميع الطلاب دون النظر إلى أصولهم أو معتقداتهم أو خلفياتهم الثقافية. وأوضحوا أن الولايات المتحدة تأسست على مبادئ التنوع وحرية المعتقد، وأن احترام الاختلاف يمثل عنصرًا أساسيًا في بناء مجتمع متماسك قادر على استيعاب مختلف مكوناته.
وخلال تجمع عقد في مركز “كرمل مول” بمدينة مينيابوليس، شارك فيه عدد من القيادات الدينية والمدنية والناشطين المجتمعيين، أعرب الحاضرون عن تضامنهم مع الأطفال وأسرهم، مؤكدين رفضهم لأي خطاب قد يجعل طفلًا يشعر بأنه مختلف أو أقل قبولًا بسبب هويته الدينية أو الثقافية. وشدد المشاركون على أن حماية الأطفال لا تقتصر على توفير التعليم والرعاية الصحية والاجتماعية، بل تشمل أيضًا حمايتهم من أي استهداف إعلامي أو سياسي قد يؤثر على حياتهم النفسية والاجتماعية.
وقال الإمام يوسف عبد الله، المدير التنفيذي للجمعية الإسلامية لأمريكا الشمالية، إن الأطفال المسلمين والصوماليين في الولايات المتحدة لهم الحق في أن يكبروا وهم يشعرون بأنهم جزء كامل من المجتمع الذي يعيشون فيه، مؤكدًا أن ارتداء الحجاب أو المحافظة على الهوية الدينية لا يتعارض مع المواطنة والانتماء الوطني. وأضاف أن احترام التنوع يجب أن يكون قيمة مشتركة بين جميع أفراد المجتمع، وأن الأطفال لا ينبغي أن يدفعوا ثمن الخلافات السياسية أو الأيديولوجية.
من جانبها، أكدت مليكة طاهر، المديرة التنفيذية لمنظمة “إحياء الأخوة”، أن الأطفال يمثلون “خطًا أحمر” لا يجوز استخدامهم كأدوات في النقاشات السياسية أو الحملات الإعلامية. وأوضحت أن مسؤولية المجتمع تتمثل في حماية الأطفال من خلال الخطاب والممارسة، داعية إلى التعامل مع القضية باعتبارها مسألة إنسانية قبل أن تكون سياسية، لأن الأطفال يحتاجون إلى الشعور بالاحترام والثقة داخل مدارسهم ومجتمعاتهم.
وأشارت قيادات الجالية إلى أن هذه الواقعة تأتي ضمن سياق أوسع من المخاوف التي عبر عنها بعض أفراد المجتمع الصومالي والمسلم في مينيسوتا بشأن تصاعد خطابات يرون أنها تستهدف المهاجرين أو الأقليات الدينية. وقالوا إن مثل هذه الخطابات قد تؤدي إلى خلق أجواء من القلق لدى الأسر، خصوصًا عندما يشعر الأطفال بأن هويتهم أو مظهرهم الديني أصبحا موضع نقاش سياسي أو جدل عام.
كما حذر قادة المجتمع من خطورة ربط الجرائم أو السلوكيات الفردية بهوية جماعية، مؤكدين أن أي تجاوزات يجب أن تعالج وفق القانون وعلى أساس المسؤولية الفردية، بعيدًا عن التعميم على مجتمع كامل. وأكدوا أن الجالية الصومالية في الولايات المتحدة تضم آلاف الأسر التي تساهم في مختلف المجالات، من التعليم والرعاية الصحية إلى الأعمال والخدمة العامة، وأن أبناءها يشكلون جزءًا من النسيج الاجتماعي الأمريكي.
وفي السياق ذاته، انتقدت شخصيات سياسية ومجتمعية محلية تصريحات سابقة ربطت بين بعض القضايا الأمنية وتصوير المجتمع الصومالي بصورة عامة، مشددة على أهمية اعتماد خطاب مسؤول يفرق بين الأفراد والجماعات، ويعالج التحديات الاجتماعية من خلال الاستثمار في الشباب والتعليم والفرص الاقتصادية، بدلًا من تكريس الصور النمطية.
وتؤكد الجالية الصومالية في مينيسوتا أن حضورها في المجتمع الأمريكي يقوم على المشاركة الإيجابية والاندماج مع الحفاظ على الهوية الثقافية والدينية، مشيرة إلى أن أبناءها يواصلون حضورهم في المدارس والجامعات ومختلف قطاعات العمل، ويساهمون في بناء المجتمع الذي يعيشون فيه. كما دعت إلى تعزيز الحوار بين مختلف المكونات، وترسيخ قيم الاحترام المتبادل والمساواة التي تشكل أساس المجتمعات الديمقراطية.
تكشف هذه القضية عن استمرار النقاش في الولايات المتحدة حول حدود الخطاب السياسي وتأثيره على الأقليات والمجتمعات المهاجرة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالأطفال والمؤسسات التعليمية. وبينما ترى الجالية الصومالية والمسلمة أن الدفاع عن حقوق أبنائها جزء من مسؤوليتها المجتمعية، تؤكد في الوقت ذاته التزامها بالمشاركة الإيجابية في الحياة الأمريكية وتعزيز قيم التعايش. ويبقى احترام التنوع الديني والثقافي وحماية الأطفال من الاستقطاب السياسي اختبارًا مهمًا لقدرة المجتمعات الحديثة على تحقيق التوازن بين حرية التعبير وصون كرامة جميع أفرادها.














