مقديشو – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
على الرغم من استمرار الجهود الرامية إلى تعزيز الاستقرار السياسي والمؤسسي في الصومال، تشهد الساحة السياسية في البلاد حراكًا متصاعدًا حول منصب رئيس مجلس الشعب في البرلمان الفيدرالي الصومالي، في ظل منافسة متزايدة بين عدد من الشخصيات السياسية والبرلمانية الساعية إلى تولي أحد أهم المناصب القيادية في مؤسسات الدولة، وذلك بعد شغور المنصب عقب انتخاب الرئيس السابق للمجلس، السيد آدم محمد نور (آدم مدوبى)، رئيسًا لإدارة جنوب غرب الصومال.
ويحظى سباق رئاسة مجلس الشعب باهتمام واسع من مختلف الأوساط السياسية، نظرًا للأهمية الكبيرة التي يمثلها هذا المنصب داخل النظام الدستوري الصومالي، حيث لا يقتصر دوره على إدارة جلسات المجلس وتنظيم أعماله الداخلية، بل يمتد ليشمل قيادة المؤسسة التشريعية التي تضطلع بسن القوانين، ومراقبة أداء الحكومة، والمشاركة في مناقشة القضايا الوطنية الكبرى.
وتأتي هذه المنافسة في مرحلة سياسية حساسة تمر بها البلاد، تتزامن مع ملفات مهمة تتعلق بالإصلاحات السياسية، وتعزيز مؤسسات الدولة، ومستقبل العملية الانتخابية، ما يجعل اختيار رئيس جديد لمجلس الشعب محطة تتجاوز حدود المنافسة البرلمانية التقليدية، لتصبح جزءًا من مسار أوسع يتعلق بشكل التوازنات السياسية خلال المرحلة المقبلة.
شغور المنصب يفتح باب المنافسة
بدأت المنافسة على منصب رئيس مجلس الشعب بعد انتقال السيد آدم محمد نور (آدم مدوبى) إلى رئاسة إدارة جنوب غرب الصومال، وهو التطور الذي أدى إلى خلو أحد أبرز المناصب القيادية داخل البرلمان الفيدرالي، وفتح المجال أمام تحركات سياسية واسعة بين مختلف الأطراف والشخصيات الطامحة لخلافته.
ويُنظر إلى رئاسة مجلس الشعب باعتبارها إحدى أهم نقاط التأثير في النظام السياسي الصومالي، نظرًا لما يتطلبه المنصب من قدرة على إدارة مؤسسة تضم تيارات سياسية متعددة، وتحقيق التوازن بين مختلف المكونات، وضمان استمرار العمل التشريعي بصورة منظمة وفعالة.
وخلال الفترة الأخيرة، تصاعدت المشاورات بين النواب والقوى السياسية المختلفة، حيث يسعى كل طرف إلى بناء تحالفات تضمن له دعمًا كافيًا خلال عملية التصويت، في ظل إدراك واسع بأن هوية الرئيس المقبل للمجلس قد تؤثر على طبيعة العلاقة بين البرلمان والحكومة الفيدرالية.
ويرى مراقبون أن طبيعة السباق الحالي تعكس حجم الأهمية السياسية للمنصب، خاصة في ظل حاجة البلاد إلى قيادة برلمانية قادرة على إدارة الخلافات، وتعزيز الحوار الداخلي، ودعم مسار بناء المؤسسات الوطنية.
ثلاثة أسماء في دائرة السباق
برزت خلال الفترة الماضية عدة شخصيات سياسية وبرلمانية ضمن دائرة المنافسة على رئاسة مجلس الشعب، من بينهم وزير الموانئ والنقل البحري عبد القادر محمد نور جامع، ووزير الدولة السابق في وزارة الداخلية سادات محمد نور عليو (سادات عليو)، إضافة إلى النائب صالح شريف سيدكي.
ويمثل المرشحون الثلاثة خلفيات سياسية مختلفة، إذ يمتلك بعضهم خبرة في العمل التنفيذي داخل الحكومة الفيدرالية، بينما يعتمد آخرون على خبرتهم البرلمانية وحضورهم داخل مجلس الشعب وعلاقاتهم مع النواب.
وتعكس هذه التعددية في أسماء المرشحين طبيعة المنافسة داخل المؤسسة السياسية الصومالية، حيث تسعى مختلف الأطراف إلى الدفع بشخصية قادرة على قيادة المجلس والحفاظ على دوره الدستوري خلال مرحلة مليئة بالتحديات السياسية والأمنية والاقتصادية.
كما أن نتائج الانتخابات المرتقبة ستكشف بدرجة كبيرة طبيعة التحالفات السياسية القائمة، ومدى قدرة القوى المختلفة على الوصول إلى توافقات بشأن قيادة المؤسسة التشريعية.
استقالة سادات عليو تعزز المنافسة
في خطوة سياسية لافتة، أعلن سادات محمد نور عليو (سادات عليو) استقالته من منصبه وزيرًا للدولة في وزارة الداخلية، مؤكدًا أن قراره جاء بهدف التفرغ الكامل لخوض المنافسة على منصب رئيس مجلس الشعب.
وتُعد هذه الخطوة مؤشرًا على انتقال السباق إلى مرحلة أكثر جدية، حيث اختار أحد أبرز المرشحين مغادرة موقعه التنفيذي من أجل التركيز على حملته السياسية وبناء الدعم داخل البرلمان.
ويرى متابعون أن استقالة سادات عليو قد تعيد ترتيب حسابات المنافسة، خصوصًا أنها تعكس رغبته في تقديم نفسه كمرشح يمتلك رؤية مستقلة لإدارة المجلس، بعيدًا عن ارتباطه السابق بالسلطة التنفيذية.
كما يُتوقع أن تشهد الفترة المقبلة مزيدًا من التحركات السياسية، سواء من جانب المرشحين الحاليين أو شخصيات أخرى قد تعلن رغبتها في دخول السباق.
لجنة الانتخابات تواجه الجدل
وفي إطار التحضيرات الرسمية، أعلنت القائمة بأعمال رئيس مجلس الشعب والنائبة الأولى لرئيس المجلس سعدية ياسين حاجي سمتر تشكيل لجنة مكونة من تسعة أعضاء للإشراف على تنظيم انتخابات رئيس المجلس.
وتتولى اللجنة مسؤولية إدارة الجوانب الإجرائية للعملية الانتخابية، بما في ذلك استقبال طلبات الترشح، ومراجعة الملفات، وتنظيم مراحل التصويت وفق اللوائح الداخلية المعتمدة في البرلمان.
إلا أن تشكيل اللجنة أثار نقاشًا سياسيًا بين بعض المرشحين، حيث أبدى عدد منهم تحفظاتهم بشأن مدى حيادها، وطالبوا بضمانات تضمن إدارة الانتخابات بصورة شفافة وعادلة بين جميع المتنافسين.
كما وجه بعض المرشحين انتقادات إلى مقرر البرلمان محمد عبد الله نوح، متهمين إياه بدعم مرشح معين، وهي اتهامات أثارت جدلًا واسعًا داخل الأوساط السياسية، بينما لم يصدر موقف رسمي بشأنها حتى الآن.
دعوات لتعزيز الشفافية
تضع هذه التطورات مسألة نزاهة الانتخابات في مقدمة النقاشات السياسية، خصوصًا أن شرعية رئيس مجلس الشعب المقبل ستعتمد بدرجة كبيرة على مدى قبول النواب والمكونات السياسية بنتائج العملية الانتخابية.
ويؤكد مراقبون أن نجاح الانتخابات لا يرتبط فقط بإعلان الفائز، وإنما بقدرة المؤسسة البرلمانية على إدارة المنافسة وفق قواعد واضحة تضمن العدالة وتمنع أي شكوك حول مسار التصويت.
كما يشدد سياسيون على أن الحفاظ على استقلالية البرلمان يمثل عاملًا أساسيًا في تعزيز النظام الديمقراطي، وأن وجود قيادة تحظى بثقة واسعة سيساعد المجلس على أداء دوره الوطني بصورة أكثر فاعلية.
تحديات أمام الرئيس المقبل
سيواجه رئيس مجلس الشعب الجديد تحديات كبيرة تتعلق بتعزيز وحدة المجلس، وتحسين الأداء التشريعي، وإدارة العلاقة بين مختلف التيارات السياسية داخل البرلمان.
كما سيكون مطالبًا بالمساهمة في دعم الإصلاحات الوطنية، وتعزيز التعاون بين مؤسسات الدولة، والمشاركة في إدارة الملفات المرتبطة بمستقبل العملية السياسية في الصومال.
ويرى محللون أن شخصية الرئيس الجديد ستكون عاملًا مؤثرًا في المرحلة المقبلة، إذ إن نجاحه في بناء التوافقات وإدارة الخلافات سيكون له دور مهم في تعزيز الاستقرار السياسي وترسيخ دور البرلمان كمؤسسة وطنية فاعلة.
خلفية المشهد
يمثل مجلس الشعب في البرلمان الفيدرالي الصومالي إحدى الركائز الأساسية في بنية الدولة، حيث يضطلع بدور محوري في سن القوانين، ومراقبة أداء الحكومة، وتمثيل مختلف مكونات المجتمع داخل المؤسسة التشريعية. ولهذا ظل منصب رئيس المجلس من أكثر المناصب السياسية حساسية وتأثيرًا في البلاد.
وخلال التجربة السياسية الصومالية الحديثة، ارتبطت انتخابات المناصب القيادية في البرلمان دائمًا بحسابات التوازن السياسي والتحالفات بين مختلف القوى، حيث تعكس نتائجها في كثير من الأحيان طبيعة المرحلة السياسية ومدى قدرة الأطراف على الوصول إلى حلول توافقية.
وتأتي المنافسة الحالية في ظل مساعٍ متواصلة لتعزيز المؤسسات الدستورية وترسيخ مبدأ التداول السلمي للقيادة داخل أجهزة الدولة، وهو ما يجعل طريقة إدارة انتخابات رئيس مجلس الشعب اختبارًا مهمًا لمدى تطور الممارسة السياسية والمؤسسية في البلاد.
ويرى خبراء أن اختيار رئيس جديد للمجلس لا يمثل مجرد انتقال إداري للسلطة البرلمانية، بل يشكل خطوة ذات أبعاد سياسية واسعة، إذ سيكون للرئيس المقبل دور في دعم الحوار الوطني، وتعزيز التعاون بين مؤسسات الدولة، والمساهمة في بناء نظام سياسي أكثر استقرارًا وقدرة على مواجهة التحديات المستقبلية.














