هرجيسا – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
في تطور يعكس استمرار الحساسية السياسية المحيطة بملف لاسعانود ومناطق شمال شرق الصومال، أعربت سلطات صوماليلاند عن اعتراضها على زيارة وفد رفيع المستوى من الأمم المتحدة إلى مدينة لاسعانود، مطالبة بأن تتم زيارات كبار المسؤولين الأمميين إلى المناطق التي تصفها بأنها ذات حساسية سياسية وأمنية عبر القنوات الدبلوماسية المعتمدة، وبإخطار مسبق وتشاور وتنسيق مع سلطاتها. وجاء الموقف في بيان أصدرته وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الدولي في صوماليلاند، عقب زيارة الوفد الأممي إلى لاسعانود أمس الأحد.
وقالت الوزارة إن سلطاتها «أخذت علمًا» بالزيارة التي أجراها الوفد الأممي إلى لاسعانود، مؤكدة في الوقت نفسه التزامها بتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية إلى جميع المجتمعات المحتاجة، بما فيها السكان في المدينة. وشددت على أن العمل الإنساني يجب أن يظل مستمرًا وقادرًا على الوصول إلى الفئات المحتاجة، لكنها أكدت أن الزيارات التي يقوم بها كبار المسؤولين الدوليين إلى المناطق التي تشهد ظروفًا سياسية وأمنية حساسة ينبغي أن تراعي الإجراءات الرسمية المعمول بها، بما يضمن وضوح طبيعة التحركات ومجالات التعاون بين الجهات المعنية.
وأكد البيان أن مثل هذه الزيارات ينبغي أن تتم «من خلال القنوات الدبلوماسية المعتمدة»، مع توفير الإخطار المسبق والتشاور والتنسيق المناسب مع سلطات صوماليلاند. وتضع الوزارة هذه العناصر في صدارة موقفها من الزيارة، معتبرة أن التواصل المسبق بين الأطراف المعنية يمثل أساسًا لتنظيم التحركات الدولية في المناطق الحساسة، ويساعد على تحديد طبيعة الزيارة وأهدافها وترتيباتها، كما يوفر إطارًا أكثر وضوحًا للتعاون بين السلطات المحلية والجهات الدولية العاملة في المجالين الإنساني والدبلوماسي.
ويأتي هذا الموقف في ظل تعقيدات سياسية وأمنية متراكمة تشهدها لاسعانود، التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى محور رئيسي في الخلاف بين سلطات صوماليلاند وقوى محلية رافضة لسلطتها. وشهدت المدينة ومحيطها مواجهات مسلحة دامية أدت إلى تغيرات كبيرة في موازين السيطرة والنفوذ، وانتهت بتراجع وجود قوات صوماليلاند في المدينة، بينما تمسكت القوى المحلية بخيار البقاء ضمن جمهورية الصومال الفيدرالية، وهو ما أضفى على أي تحرك دولي في المدينة أهمية سياسية تتجاوز طبيعته الميدانية أو الإنسانية.
وتكتسب لاسعانود أهمية إضافية في المشهد السياسي الصومالي بعد تأسيس ولاية شمال شرق الصومال، التي أصبحت المدينة عاصمتها الإدارية ضمن النظام الفيدرالي لجمهورية الصومال. وقد جاء تأسيس الولاية في سياق التحولات السياسية التي شهدتها المنطقة، في وقت تؤكد فيه الحكومة الفيدرالية الصومالية تمسكها بوحدة البلاد وسلامة أراضيها وبالنظام الفيدرالي القائم على الولايات الأعضاء. وفي المقابل، تواصل سلطات صوماليلاند مطالبتها بالمناطق التي تعتبرها ضمن نطاق إدارتها، ما يجعل الوضع السياسي والإداري للمدينة أحد الملفات الأكثر حساسية في شمال الصومال.
وفي الجانب الآخر من البيان، أكدت وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الدولي في صوماليلاند تقديرها لما وصفته بـ«الشراكة الطويلة والبناءة» مع الأمم المتحدة، مجددة التزامها بمواصلة التعاون والتواصل مع المنظمة الدولية. وأشارت إلى رغبتها في استمرار هذا التعاون بصورة بناءة ومستدامة، لكنها أعربت عن توقعها أن تلتزم الأمم المتحدة خلال المرحلة المقبلة بالإجراءات الدبلوماسية وقنوات الاتصال القائمة، وأن تحظى هذه الإجراءات بالاحترام الكامل عند تنظيم الزيارات والأنشطة في المناطق التي تعتبرها هرجيسا حساسة سياسيًا وأمنيًا.
ويعكس هذا الموقف محاولة واضحة للفصل بين مسارين متوازيين؛ أولهما استمرار التعاون الإنساني وتسهيل وصول المساعدات إلى السكان المحتاجين، وثانيهما تنظيم الزيارات الرسمية لكبار المسؤولين الدوليين وفق ترتيبات دبلوماسية مسبقة. فقد شددت سلطات صوماليلاند على أنها لا تزال ملتزمة بتسهيل المساعدات الإنسانية إلى جميع المجتمعات المحتاجة، بما فيها سكان لاسعانود، في حين ترى أن هذا الالتزام ينبغي أن يترافق مع احترام القنوات الرسمية عند تنفيذ الزيارات الأممية إلى المناطق ذات الحساسية السياسية والأمنية.
وتحمل الدعوة إلى الإخطار المسبق والتشاور والتنسيق دلالة خاصة في حالة لاسعانود، بالنظر إلى تعدد الأطراف المعنية بالوضع السياسي والأمني والإنساني في المدينة. فإلى جانب السلطات المحلية، تعمل جهات دولية وإنسانية في بيئة تتداخل فيها الاحتياجات المدنية مع تداعيات النزاع والخلافات السياسية. ومن ثم، فإن تنظيم الزيارات الدولية عبر قنوات واضحة يمكن أن يساعد، من منظور مختلف الأطراف، على ضمان وصول المساعدات واستمرار التواصل الدولي مع السكان، مع الحد من احتمالات تفسير التحركات الميدانية على أنها مواقف سياسية أو اعترافات بترتيبات إدارية متنازع عليها.
كما يأتي البيان في وقت تواصل فيه الأمم المتحدة وشركاؤها متابعة الأوضاع الإنسانية في مناطق شمال الصومال، حيث تظل الاحتياجات المتعلقة بالحماية والخدمات الأساسية وسبل العيش والمساعدات الإنسانية قائمة بدرجات متفاوتة. وفي مثل هذه البيئات، تكتسب آليات التنسيق مع السلطات المحلية أهمية عملية، سواء في تسهيل الوصول الميداني أو تقييم الاحتياجات أو تنفيذ البرامج الإنسانية. ومن شأن وضوح قنوات الاتصال والإجراءات المتبعة أن يدعم استمرار العمل الإنساني، مع إبقاء الملفات السياسية المتعلقة بوضع المناطق ضمن مساراتها الخاصة.
يشار إلى أن صوماليلاند أعلنت انفصالها من جانب واحد عن الصومال عام 1991 عقب انهيار الدولة المركزية، ولم تحظَ باعتراف دولي بوصفها دولة مستقلة، باستثناء إسرائيل التي أعلنت اعترافها بها في أواخر عام 2025، بينما تتمسك جمهورية الصومال الفيدرالية بوحدة البلاد وسلامة أراضيها. وشهدت لاسعانود منذ عام 2023 تحولًا سياسيًا وأمنيًا كبيرًا عقب اندلاع مواجهات دامية بين قوات صوماليلاند وقوى محلية، انتهت بتراجع نفوذ هرجيسا في المدينة، قبل أن تتجه المنطقة إلى تأسيس ولاية شمال شرق الصومال ضمن النظام الفيدرالي الصومالي، وأصبحت لاسعانود عاصمتها الإدارية. وفي ظل هذا الواقع، باتت المدينة تمثل نقطة تقاطع بين ملفات السيادة والوحدة الوطنية والنظام الفيدرالي والأمن والعمل الإنساني، ما يجعل أي زيارة دولية إليها محاطة بحساسية سياسية وأمنية خاصة، ويعزز أهمية التنسيق المسبق بين الأمم المتحدة والجهات الصومالية المعنية لضمان استمرار العمل الإنساني بعيدًا عن التجاذبات السياسية.














