مقديشو – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
في مشهد وطني تتقاطع فيه دلالات التاريخ مع رهانات الحاضر، احتفلت الصومال، الأربعاء، بالذكرى السادسة والستين للاستقلال والوحدة، في مناسبة حملت أبعاداً رمزية وسياسية عميقة، أعادت التأكيد على مركزية الدولة ووحدة الشعب واستمرارية المشروع الوطني الذي وُلد في الأول من يوليو عام 1960. وجاءت الفعاليات في العاصمة مقديشو وسط حضور رسمي وشعبي واسع، تقدمه الرئيس حسن شيخ محمود، وكبار مسؤولي الحكومة، وقيادات القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، إضافة إلى ممثلين عن السلك الدبلوماسي، وآلاف المواطنين الذين احتشدوا في الساحات العامة في تجسيد واضح لمكانة هذه الذكرى في الوعي الوطني، حيث بدت الصومال وكأنها تستعيد صورتها التأسيسية في لحظة جامعة.
وشهدت العاصمة مقديشو منذ الساعات الأولى من الليل حالة تعبئة وطنية مكثفة، حيث انطلقت الصومال في طقوس احتفالها الرسمي مع حلول منتصف الليل بمراسم رفع العلم الوطني، في لحظة رمزية أعادت استحضار ولادة الجمهورية عام 1960 عندما توحد الشمال والجنوب في كيان سياسي واحد. وقد نفذت وحدات من القوات المسلحة هذه المراسم بدقة عسكرية عالية، بينما امتلأت شوارع العاصمة وساحاتها بالمواطنين الذين توافدوا من مختلف الأحياء حاملين الأعلام الوطنية، ورددوا الأناشيد التي تعبر عن ذاكرة الاستقلال، في مشهد بدت فيه الصومال وكأنها تعيد تقديم نفسها أمام شعبها وتاريخها في آن واحد.
وامتدت مظاهر الاحتفال إلى مختلف أحياء العاصمة مقديشو، حيث فتحت الصومال فضاءاتها العامة أمام المواطنين لتتحول إلى ساحات واسعة للتعبير الوطني، شاركت فيها مختلف الفئات الاجتماعية دون استثناء، في أجواء اتسمت بروح الانتماء والاعتزاز بالهوية الجامعة. وقد عكست هذه المشاركة الشعبية الواسعة حالة من الإجماع الرمزي حول الاستقلال والوحدة، حيث بدت الصومال وكأنها تستجمع ذاكرتها السياسية والاجتماعية، رغم ما مر بها من تحديات معقدة خلال العقود الماضية، وما شهدته من تحولات عميقة في بنيتها المؤسسية والسياسية.
وفي كلمته الرسمية بالمناسبة، هنأ الرئيس حسن شيخ محمود الشعب الصومالي داخل البلاد وخارجها، مؤكدا أن الصومال في الأول من يوليو تقف أمام لحظة تأسيسية مفصلية في تاريخها الوطني، تجسدت فيها تضحيات جيل كامل من الآباء المؤسسين الذين خاضوا نضالاً طويلاً من أجل الحرية وتوحيد البلاد. وشدد على أن هذه الذكرى لا ينبغي أن تبقى مجرد طقس سنوي للاحتفال، بل يجب أن تتحول إلى قوة معنوية متجددة تعزز وحدة الصومال، وترسخ قيم التضامن، وتدفع باتجاه تحمل المسؤولية المشتركة تجاه مستقبل الدولة ومسارها السياسي.
وأضاف الرئيس أن الصومال لا يمكنها حماية مكتسبات الاستقلال إلا عبر مشروع وطني جامع يتجاوز الانقسامات السياسية الضيقة، ويضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار، مؤكداً أن بناء دولة مستقرة يتطلب مؤسسات قوية تستند إلى الدستور وسيادة القانون، وتعمل بكفاءة لخدمة المواطن. كما أوضح أن المرحلة الراهنة تستدعي أن تعزز الصومال ثقة مواطنيها بمؤسساتها، وأن تواصل العمل على إصلاح بنيتها السياسية والإدارية بما يضمن استقرارها السياسي والأمني ويدعم مسار التنمية المستدامة.
وشهدت الاحتفالات الرسمية قيام الصومال بمراسم وضع إكليل من الزهور على نصب الجندي المجهول، في لفتة رمزية لتكريم أرواح الشهداء الذين ضحوا بحياتهم دفاعاً عن وحدة الصومال واستقلالها. كما نفذت القوات المسلحة عروضاً عسكرية موسعة استعرضت خلالها قدراتها الميدانية وآلياتها الحديثة، في رسالة تعكس أن الصومال تواصل إعادة بناء مؤسستها العسكرية وتعزيز جاهزيتها في مواجهة التحديات الأمنية، بما يعكس تحولات تدريجية في قدرتها على حماية سيادتها.
وبالتزامن مع هذه الفعاليات، كثفت الأجهزة الأمنية انتشارها في مختلف أنحاء العاصمة مقديشو، حيث وضعت الصومال خطة أمنية شاملة لتأمين احتفالاتها الوطنية، شملت إغلاق عدد من الطرق الحيوية المؤدية إلى مواقع الفعاليات، بهدف ضمان سلامة المواطنين المشاركين. وقد أسهم هذا الانتشار الواسع في تنظيم المناسبة في أجواء مستقرة نسبياً، رغم الزخم الجماهيري الكبير الذي رافق الاحتفالات، ما عكس قدرة الصومال على إدارة مناسباتها الوطنية الكبرى بكفاءة متزايدة.
وعقب انتهاء المراسم الرسمية، خرجت الصومال إلى شوارع مقديشو عبر مواطنيها، حيث انضم الرئيس إلى الحشود وشاركهم أجواء الاحتفال وتبادل معهم التهاني، في مشهد عكس تقارب القيادة مع الشعب، وأضفى بعداً إنسانياً على المناسبة الوطنية الجامعة، التي بدت فيها الصومال أكثر التصاقاً بمواطنيها وأكثر حضوراً في تفاصيلهم اليومية.
واختُتمت الفعاليات برسالة وطنية متجددة مفادها أن الصومال، في ذكرى استقلالها ووحدتها، لا تزال تمثل نقطة التقاء جامعة، تتجدد فيها معاني الانتماء، ويستعاد من خلالها إرث التضحيات، بما يعزز إصرارها على مواصلة بناء الدولة وترسيخ استقرارها، في ظل واقع إقليمي ودولي متغير يفرض عليها تحديات إضافية تتطلب قدراً أعلى من التماسك والرؤية المشتركة.
تظل ذكرى الأول من يوليو لحظة تأسيسية كبرى في تاريخ الصومال، إذ لا ترتبط فقط بإعلان الاستقلال، بل بكونها لحظة ولادة الدولة الموحدة التي جمعت بين شمالها وجنوبها في كيان سياسي واحد. وعلى الرغم من ما مرّت به الصومال من تحولات سياسية وأمنية عميقة خلال العقود الماضية، بما في ذلك فترات الانقسام والصراع وإعادة بناء المؤسسات، فإن هذا التاريخ ظل رمزاً ثابتاً لوحدتها الوطنية ومعنى سيادتها. وفي السياق الراهن، تكتسب هذه الذكرى أهمية متجددة لأنها تعيد للصومال التأكيد على ذاتها كدولة تسعى إلى ترميم مؤسساتها، وتعزيز تماسكها الداخلي، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، بما يفتح أمامها طريقاً أكثر استقراراً وقدرة على تحقيق التنمية وصون وحدتها الوطنية.














