مقديشو – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
في مؤشر يعكس تحولات متباينة في المشهد الأمني الصومالي، أظهرت نتائج مؤشر السلام العالمي لعام 2026 أن الصومال لم يعد ضمن قائمة الدول العشر الأقل سلامًا في العالم، رغم استمرار البلاد في مواجهة تحديات أمنية معقدة ومتعددة الأبعاد. ووضع التقرير الصادر عن معهد الاقتصاد والسلام الصومال في المرتبة 153 عالميًا من أصل 163 دولة وإقليمًا، بدرجة بلغت 2.973 نقطة، ليحتل بذلك المرتبة الحادية عشرة بين الدول الأقل سلامًا، متقدمًا بمركز واحد على مالي التي جاءت في المرتبة العاشرة.
وبحسب نتائج المؤشر، تصدرت روسيا قائمة الدول العشر الأقل سلامًا في المرتبة 163، تلتها السودان في المرتبة 162، وجمهورية الكونغو الديمقراطية في المرتبة 161، وأوكرانيا في المرتبة 160، وإسرائيل في المرتبة 159، وجنوب السودان في المرتبة 158، وأفغانستان في المرتبة 157، واليمن في المرتبة 156، وسوريا في المرتبة 155، ثم مالي في المرتبة 154. وفي المقابل، سجل الصومال تراجعًا بأربع مراتب مقارنة بالتصنيف السابق، وهو ما يؤكد أن خروجه من قائمة الدول العشر الأقل سلامًا لا يعني انتهاء التحديات الأمنية التي لا تزال تؤثر في استقرار البلاد.
وعلى مستوى منطقة إفريقيا جنوب الصحراء، حل الصومال في المرتبة 41 من أصل 44 دولة شملها التصنيف، متقدمًا على مالي وجنوب السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية فقط. وأشار التقرير إلى أن المنطقة شهدت تراجعًا عامًا في مستوى السلام، حيث تضم ثماني دول من بين الدول العشرين الأقل سلامًا في العالم، في ظل استمرار النزاعات المسلحة وتصاعد نشاط الجماعات المسلحة والإرهاب، ولا سيما في منطقة الساحل. ويضع هذا الواقع الصومال ضمن بيئة إقليمية مضطربة تتداخل فيها العوامل الأمنية والسياسية والاقتصادية والإنسانية.
ويرتبط جانب كبير من التحديات الأمنية التي واجهها الصومال خلال العقود الماضية بتداعيات انهيار الدولة المركزية وما أعقبه من فراغ مؤسسي وأمني، أدى إلى تفكك مؤسسات الدولة وتراجع قدرتها على بسط سيادة القانون وتوفير الحماية للسكان في مختلف المناطق. وأسهمت الصراعات الداخلية وانتشار السلاح والنزاعات المحلية وظهور الجماعات المسلحة في تعميق حالة عدم الاستقرار، بينما انعكست هذه الظروف على الاقتصاد والخدمات الأساسية وحركة السكان، وأدت إلى موجات واسعة من النزوح والهجرة، وأضعفت قدرة المجتمعات المحلية على التعافي من الأزمات المتكررة.
ومع ذلك، شهدت مقديشو خلال السنوات الأخيرة تحسنًا ملحوظًا في البيئة الأمنية مقارنة بمراحل سابقة، نتيجة توسع عمليات الأجهزة الأمنية، وتعزيز انتشار القوات الحكومية، وتطوير آليات التنسيق بين المؤسسات الأمنية، إلى جانب تنفيذ عمليات تستهدف الجماعات المسلحة وملاحقة الخلايا النشطة داخل العاصمة ومحيطها. وعلى الرغم من استمرار المخاطر الأمنية ووقوع حوادث متفرقة، فإن التحسن النسبي في الاستقرار داخل العاصمة أسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية وعودة بعض الأنشطة التجارية والخدمية، وفتح المجال أمام توسع الاستثمار والحياة المدنية في عدد من مناطق المدينة.
وفي السياق الإقليمي، لفت تقرير مؤشر السلام العالمي إلى أن النزاعات في القرن الإفريقي باتت أكثر ترابطًا، مشيرًا إلى وجود شبكة من العوامل التي تربط الأزمات في الصومال والسودان وإثيوبيا وإريتريا وجنوب السودان. وتشمل هذه العوامل تحركات اللاجئين، وشبكات الاتجار غير المشروع، والدعم المقدم لأطراف النزاعات، إضافة إلى التنافس على الموانئ والممرات البحرية في منطقة البحر الأحمر، الأمر الذي يجعل الاستقرار في أي دولة من دول المنطقة مرتبطًا بدرجة متزايدة بالتطورات السياسية والأمنية في محيطها الإقليمي.
وعلى المستوى العالمي، أظهر المؤشر استمرار تراجع مستوى السلام، إذ انخفض متوسط السلام العالمي بنسبة 0.7 بالمائة، مسجلًا بذلك العام الثاني عشر على التوالي من التراجع. واعتمد معهد الاقتصاد والسلام في تقييمه على 23 مؤشرًا موزعة على ثلاثة محاور رئيسية، تشمل الأمن والسلامة المجتمعية، والنزاعات الداخلية والخارجية، والعسكرة، بما يوفر إطارًا مقارنًا لقياس التحولات في البيئة الأمنية للدول والمناطق المختلفة.
يعكس تصنيف الصومال في مؤشر السلام العالمي صورة مركبة لواقع أمني لا يزال يواجه تحديات كبيرة، لكنه في الوقت نفسه يشهد تحولات تدريجية لا يمكن اختزالها في ترتيب واحد. فخروج البلاد من قائمة الدول العشر الأقل سلامًا عالميًا يمثل مؤشرًا محدودًا في سياق التصنيف، بينما تظل معالجة جذور عدم الاستقرار مرتبطة بقدرة الدولة على استكمال بناء مؤسساتها، وترسيخ سيادة القانون، وتعزيز الأمن المحلي، ومعالجة النزاعات المجتمعية، وتوسيع فرص التنمية والخدمات. ومن شأن استمرار التحسن الأمني، خصوصًا في مقديشو، بالتوازي مع تعزيز الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية، أن يوفر أساسًا أكثر صلابة لانتقال الصومال تدريجيًا من إدارة الأزمات الأمنية إلى بناء سلام مستدام قادر على الصمود أمام الضغوط الداخلية والإقليمية.














