جوهانسبرغ – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
دفعت موجة جديدة من التوترات والاعتداءات المناهضة للمهاجرين في جنوب إفريقيا أكثر من 160 ألف مواطن أجنبي إلى مغادرة البلاد خلال الشهرين الماضيين، وسط تصاعد المخاوف بين الجاليات الإفريقية المقيمة هناك، ومن بينها الجالية الصومالية، من تداعيات خطاب الكراهية والعنف الذي استهدف المهاجرين غير النظاميين والأجانب بشكل عام. وجاءت هذه المغادرات في أعقاب احتجاجات واسعة شهدتها مناطق مختلفة من البلاد، تحولت في بعض الحالات إلى مواجهات عنيفة خلفت قتلى ودفعت آلاف الأسر إلى البحث عن وسائل آمنة للعودة إلى أوطانها.
وبحسب بيانات جمعتها وكالة فرانس برس من حكومات الدول التي شاركت في عمليات إعادة مواطنيها، فقد شهدت القنصليات والمراكز المجتمعية في جنوب إفريقيا إقبالًا كبيرًا من مواطني دول إفريقية عدة، كانوا يسعون للحصول على المساعدة للعودة إلى بلدانهم. وغادر كثير من هؤلاء الأشخاص منازلهم وأعمالهم وهم يحملون فقط الاحتياجات الأساسية، بعد أن تصاعدت المخاوف الأمنية بسبب تهديدات مجموعات مناهضة للمهاجرين طالبت برحيل الأشخاص الذين لا يحملون وثائق إقامة قانونية.
وسجلت أكبر عمليات العودة بين مواطني زيمبابوي وملاوي، إلى جانب أعداد أخرى من مواطني غانا وكينيا وليسوتو وموزمبيق ونيجيريا وأوغندا. وأعلنت حكومة زيمبابوي عودة أكثر من 108 آلاف و366 مواطنًا حتى 18 يوليو/تموز، بينما أعلنت ملاوي عودة أكثر من 46 ألفًا و890 شخصًا منذ بداية يونيو/حزيران، بعد توفير مئات الحافلات لنقل المواطنين الراغبين في العودة. كما شملت عمليات الإجلاء مواطنين من دول أخرى، بينهم نحو ألفي موزمبيقي عادوا إلى بلادهم بعد تعرض بعض مواطنيهم لأعمال عنف.
وتسببت الاعتداءات المرتبطة بالمشاعر المعادية للأجانب في سقوط عدد من الضحايا، حيث أعلنت حكومات إفريقية مقتل مواطنين لها خلال الاحتجاجات، من بينهم مواطنون من إثيوبيا وملاوي وموزمبيق ونيجيريا وغانا. وأكدت السلطات الجنوب إفريقية أنها تتابع هذه الأحداث، لكنها حذرت في الوقت نفسه من انتشار معلومات غير دقيقة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مشددة على ضرورة الاعتماد على التحقيقات الرسمية في تحديد المسؤوليات.
وتثير هذه التطورات مخاوف متزايدة لدى أبناء الجاليات الإفريقية، بما فيها الصوماليون الذين يعيشون ويعملون في جنوب إفريقيا منذ سنوات، خاصة في ظل وجود تاريخ سابق من الاعتداءات التي طالت بعض أصحاب الأعمال الأجانب. ويرى مراقبون أن تصاعد هذه الأحداث لا يرتبط فقط بملف الهجرة، بل يعكس أيضًا ضغوطًا اجتماعية واقتصادية عميقة تعاني منها بعض المناطق، مثل ارتفاع معدلات البطالة والفقر وضعف الخدمات العامة، ما يدفع بعض الجماعات إلى تحميل المهاجرين مسؤولية أزمات داخلية معقدة.
تُعد جنوب إفريقيا واحدة من أهم الوجهات الاقتصادية في القارة الإفريقية، حيث استقبلت على مدى عقود عمالًا ومهاجرين من مختلف الدول الإفريقية بحثًا عن فرص العمل والاستقرار. إلا أن التحديات الاقتصادية، وعلى رأسها البطالة التي تتجاوز 30 بالمئة، وتفاوت التنمية بين المناطق، وضعف القدرة على توفير الخدمات الأساسية، ساهمت في خلق بيئة متوترة استغلتها بعض الجماعات لنشر خطاب معادٍ للمهاجرين.
وشهدت جنوب إفريقيا خلال السنوات الماضية موجات متكررة من العنف ضد الأجانب، كان أبرزها اضطرابات عام 2008 التي أسفرت عن مقتل 62 شخصًا وتشريد آلاف آخرين، إضافة إلى موجات عنف في عامي 2015 و2016، ثم أحداث عام 2019 التي استهدفت متاجر يملكها أجانب في مدينة جوهانسبرغ، وأسفرت عن مقتل عدد من الأشخاص.
وتُعد عمليات العودة الحالية من أكبر التحركات الجماعية المنظمة للمهاجرين الأفارقة منذ سنوات، حيث اضطرت عدة حكومات إفريقية إلى تنسيق جهود لإعادة مواطنيها بشكل طوعي. ويرى محللون أن هذه التطورات تستدعي تعزيز التعاون بين دول القارة لحماية حقوق المهاجرين، ومعالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تغذي التوترات، بما يضمن أن تبقى إفريقيا فضاءً للتكامل والتنقل الآمن بين شعوبها.














