مقديشو – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
تشهد الساحة السياسية في الصومال حراكًا متسارعًا في ظل تزايد المساعي الرامية إلى إنهاء حالة الجمود التي عطّلت عددًا من الملفات الوطنية المفصلية، وفي مقدمتها الدستور والانتخابات ومستقبل العملية السياسية. وفي هذا السياق، كشفت مصادر دبلوماسية عن تحركات وضغوط دولية متزايدة لحثّ القيادات الصومالية على التوصل إلى اتفاق سياسي شامل خلال الأسابيع المقبلة، باعتباره مدخلًا ضروريًا لتعزيز الاستقرار، واستكمال الإصلاحات المؤسسية، والحفاظ على زخم الشراكة مع المجتمع الدولي.
وبحسب مصادر دبلوماسية مطلعة، فإن عدداً من الشركاء الدوليين كثّفوا خلال الأيام الأخيرة اتصالاتهم مع القيادة الصومالية، مؤكدين أهمية الإسراع في معالجة الخلافات السياسية العالقة والتوصل إلى تفاهم وطني جامع قبل نهاية شهر أغسطس/آب المقبل. وأوضحت المصادر أن هذه التحركات تعكس قناعة متزايدة لدى الأطراف الدولية بأن استمرار الانقسام السياسي قد ينعكس سلبًا على جهود بناء مؤسسات الدولة، ويؤخر تنفيذ برامج الإصلاح والتنمية، ويحد من قدرة الحكومة على مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية التي تمر بها البلاد.
وبحسب مصادر مطلعة على الاتصالات الجارية، فقد نقل عدد من الشركاء الدوليين رسائل إلى مسؤولين في مؤسسة الرئاسة الصومالية، قبل أن تصل تلك الرسائل إلى الرئيس حسن شيخ محمود، تضمنت التأكيد على أهمية الإسراع في إنهاء الخلافات السياسية والتوصل إلى صيغة تفاهم تجمع مختلف الأطراف. وأوضحت المصادر أن هذه التحركات تأتي نتيجة القلق المتزايد لدى بعض الجهات الدولية من أن يؤدي استمرار الانقسام السياسي إلى إضعاف الزخم المرتبط بعملية بناء الدولة، وإبطاء تنفيذ البرامج الإصلاحية التي تحظى بدعم إقليمي ودولي.
وأشارت المصادر إلى أن الشركاء الدوليين ينظرون إلى التوافق السياسي باعتباره عنصرًا أساسيًا لاستمرار التعاون مع الصومال، خاصة في مجالات التنمية، ودعم المؤسسات الحكومية، وتعزيز القدرات الأمنية. وذكرت أن استمرار الخلافات دون الوصول إلى اتفاق قد يدفع بعض الجهات إلى إعادة تقييم مستوى التمويل المخصص للمشاريع والتعاون السياسي، إلا أنه لم يصدر حتى الآن أي قرار رسمي بشأن تعليق المساعدات أو تقليص العلاقات مع الحكومة الصومالية.
وتتركز الأزمة السياسية الحالية حول مجموعة من القضايا الجوهرية التي تمس مستقبل النظام السياسي في البلاد، وفي مقدمتها التعديلات الدستورية، وشكل العملية الانتخابية المقبلة، وآليات إدارة المرحلة الانتقالية، إضافة إلى طبيعة العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والولايات الأعضاء. وقد أدت هذه الملفات إلى خلافات واسعة بين الحكومة وبعض القوى السياسية، ما تسبب في تأخير التوصل إلى توافق نهائي حول الإطار القانوني والسياسي للانتخابات، وأثار نقاشات حادة حول مستقبل الإصلاحات المؤسسية.
وفي محاولة للخروج من حالة الانسداد السياسي، استؤنفت خلال الفترة الأخيرة حوارات بين الحكومة الفيدرالية وقوى المعارضة برعاية تركية، بهدف تقريب وجهات النظر والوصول إلى حلول مشتركة بشأن القضايا الخلافية. غير أن مصادر قريبة من المفاوضات أوضحت أن النقاشات لم تصل بعد إلى مرحلة معالجة الملفات الأكثر تعقيدًا، خاصة نموذج الانتخابات والتعديلات الدستورية، وهي القضايا التي تمثل جوهر الخلاف بين الأطراف السياسية المختلفة.
وفي السياق ذاته، تصاعدت مطالب بعض القوى السياسية بضرورة صياغة اتفاق وطني شامل يضمن مشاركة أوسع في إدارة المرحلة المقبلة، حيث دعا مجلس مستقبل الصومال إلى تسوية سياسية تؤسس لمرحلة انتقالية قائمة على التوافق وتحافظ على حياد مؤسسات الدولة. وأكد المجلس، في رسالة مفتوحة مؤرخة في 27 يوليو/تموز 2026، أن الأولوية العاجلة تتمثل في استعادة التوافق الوطني، وتعزيز شرعية المؤسسات، وضمان استقلالية الأجهزة الوطنية، بما فيها الجيش الوطني الصومالي، بعيدًا عن التجاذبات السياسية.
ويرى مراقبون أن الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في تحديد اتجاه المشهد السياسي الصومالي، خصوصًا مع اقتراب المهلة التي تحدثت عنها المصادر الدبلوماسية، حيث سيكون أمام القادة السياسيين فرصة لإظهار قدرتهم على إدارة الخلافات عبر الحوار والتفاهم. ويؤكد المراقبون أن الوصول إلى اتفاق شامل لن يكون فقط استجابة للمطالب الدولية، بل يمثل حاجة وطنية لضمان استقرار البلاد، وتسريع الإصلاحات، وتهيئة بيئة سياسية قادرة على دعم التنمية وتعزيز ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.
كما أن نجاح الحوار السياسي المرتقب سيشكل اختبارًا مهمًا لقدرة النخب السياسية الصومالية على الانتقال من مرحلة المنافسة والخلاف إلى مرحلة الشراكة الوطنية، خاصة في ظل التحديات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية التي تواجه البلاد. فالمطلوب، وفق مراقبين، ليس مجرد اتفاق مؤقت لتجاوز أزمة سياسية، وإنما بناء تفاهم طويل الأمد يحدد قواعد العمل السياسي، ويحافظ على توازن العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والولايات، ويضمن مشاركة جميع المكونات في صياغة مستقبل الصومال.
شهدت الصومال خلال العقدين الماضيين تحولات سياسية كبيرة في إطار جهود إعادة بناء الدولة واستعادة مؤسساتها بعد سنوات طويلة من الصراعات والانقسامات. وقد شكل اعتماد النظام الفيدرالي خطوة مهمة نحو توزيع السلطة وتعزيز مشاركة المناطق المختلفة في إدارة الشأن الوطني، إلا أن العلاقة بين المركز والولايات، إلى جانب قضايا الدستور والانتخابات، بقيت من أكثر الملفات حساسية وتأثيرًا على الاستقرار السياسي. ومع اقتراب استحقاقات وطنية جديدة، تواجه القيادة الصومالية مسؤولية تاريخية تتمثل في تحقيق توافق واسع يحفظ وحدة الدولة، ويعزز شرعية المؤسسات، ويفتح الطريق أمام مرحلة جديدة تقوم على الحوار والشراكة والتنمية، بما يلبي تطلعات الشعب الصومالي ويحافظ على ثقة المجتمع الدولي في مسار بناء الدولة.














