مقديشو – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
في إطار التحولات المتسارعة التي يشهدها القطاع البحري الصومالي، وتزايد الاهتمام الدولي بالفرص الاقتصادية التي توفرها السواحل الصومالية، أعلنت تركيا توجهها لإرسال سفن صيد بحري إلى السواحل الصومالية، في خطوة تعكس تنامي الثقة بالبيئة الاستثمارية والأمنية في البلاد، وتفتح آفاقًا جديدة أمام تطوير الاقتصاد الأزرق وتعزيز التعاون الاقتصادي بين مقديشو وأنقرة.
وجاء الإعلان على لسان السفير التركي لدى الصومال، ألبر أكتاش، خلال مشاركته في أعمال المؤتمر البحري الأول للصومال المنعقد في العاصمة مقديشو، حيث أكد أن بلاده ترى إمكانات واسعة في الموارد البحرية الصومالية، وأن المرحلة الحالية تمثل فرصة مهمة للانتقال من مرحلة استكشاف الإمكانات إلى مرحلة الاستثمار العملي في الثروة السمكية والقطاعات المرتبطة بالبحر.
وأوضح أكتاش أن الصومال قبل نحو 15 عامًا كان يواجه ظروفًا أمنية صعبة جعلت الاستفادة من موارده البحرية أمرًا بالغ التعقيد، مشيرًا إلى أن التحسن الأمني الذي تحقق خلال السنوات الماضية أسهم في تغيير الصورة العامة للبلاد وخلق بيئة أكثر ملاءمة للمشاريع الاستثمارية والتنموية.
وقال السفير التركي إن التطورات الحالية جاءت نتيجة للخطوات التي اتخذتها الحكومة الفيدرالية الصومالية في مجال تعزيز الأمن وبناء مؤسسات الدولة، مؤكدًا أن استقرار البلاد أصبح عنصرًا أساسيًا في جذب الاستثمارات وفتح المجال أمام مشاريع جديدة تخدم الاقتصاد الوطني.
وأضاف أن المؤتمر البحري الأول للصومال يمثل منصة مهمة لتبادل الرؤى حول مستقبل القطاع البحري، مشددًا على أن بلاده ستواصل دعم التعاون مع الصومال في المجالات المرتبطة بالاقتصاد الأزرق، بما يشمل تطوير الصيد البحري وتعزيز الاستفادة من الموارد البحرية.
سواحل غنية وفرص اقتصادية
يمتلك الصومال واحدة من أطول السواحل في القارة الأفريقية، حيث تمتد سواحله لأكثر من 3300 كيلومتر على المحيط الهندي وخليج عدن، إضافة إلى منطقة اقتصادية خالصة واسعة تزخر بالموارد البحرية، ما يمنح البلاد فرصًا كبيرة لتطوير قطاعات الصيد والتجارة والنقل البحري.
ورغم هذه الإمكانات الهائلة، ظل قطاع الثروة السمكية الصومالي لسنوات طويلة دون مستوى الاستفادة المطلوبة، بسبب تحديات أمنية وضعف البنية التحتية البحرية ومحدودية الاستثمارات، الأمر الذي أدى إلى فقدان فرص اقتصادية كبيرة كان يمكن أن تسهم في دعم الاقتصاد الوطني وتوفير فرص عمل للمجتمعات الساحلية.
ويرى خبراء اقتصاديون أن دخول استثمارات جديدة في مجال الصيد البحري يمكن أن يساعد في بناء سلسلة اقتصادية متكاملة تبدأ من عمليات الصيد وتنتهي بالتخزين والتصنيع والتصدير، بما يعزز القيمة المضافة للمنتجات البحرية الصومالية ويزيد من مساهمة القطاع في الناتج المحلي.
كما يشير متخصصون إلى أن تطوير الاقتصاد البحري يحتاج إلى سياسات واضحة تضمن حماية الموارد الطبيعية، وتنظيم عمليات الصيد، ومكافحة الأنشطة غير القانونية التي أثرت خلال العقود الماضية على قدرة الصومال في إدارة ثرواته البحرية.
شراكة استراتيجية متنامية
تأتي الخطوة التركية ضمن إطار العلاقات الاستراتيجية المتطورة بين الصومال وتركيا، والتي تشمل مجالات الأمن والتنمية والاستثمار والتعاون الفني، حيث عزز البلدان خلال السنوات الماضية مستوى التنسيق في عدد من الملفات الحيوية المرتبطة بمستقبل الدولة الصومالية.
وأكد السفير التركي أن أنقرة تولي أهمية كبيرة لتوسيع فرص التعاون الاقتصادي مع مقديشو، مشيرًا إلى أن المجال البحري يمثل أحد القطاعات الواعدة التي يمكن أن تحقق فوائد مشتركة للطرفين، خاصة في ظل الموقع الجغرافي المميز للصومال بالقرب من أهم طرق التجارة البحرية العالمية.
وتعمل تركيا على دعم تطوير القدرات الصومالية في عدد من المجالات، كما تسعى إلى تعزيز حضورها الاقتصادي من خلال شراكات طويلة الأمد تقوم على الاستثمار ونقل الخبرات والتكنولوجيا، بما يساعد الصومال على بناء قطاعات إنتاجية أكثر قدرة على المنافسة.
ويرى مراقبون أن التعاون البحري بين البلدين قد يشكل نموذجًا للشراكات الدولية التي تركز على استثمار الموارد المحلية وتعزيز قدرات الدولة، بدلًا من الاقتصار على الدعم التقليدي، خصوصًا في القطاعات التي تمتلك فيها البلاد ميزات طبيعية كبيرة.
الاقتصاد الأزرق في مسار التنمية
يمثل الاقتصاد الأزرق أحد المجالات التي بدأت تحتل مكانة متقدمة في خطط التنمية الصومالية، حيث تسعى الحكومة الفيدرالية إلى تحويل الموارد البحرية إلى مصدر مستدام للنمو الاقتصادي، من خلال تطوير قطاعات الصيد والموانئ والنقل البحري والسياحة الساحلية.
وتؤكد الحكومة الصومالية أن الاستفادة من البحر لم تعد قضية اقتصادية فقط، بل أصبحت جزءًا من رؤية وطنية ترتبط بالأمن والسيادة والتنمية، خصوصًا أن حماية الموارد البحرية وإدارتها بشكل فعال تعد من العوامل الأساسية لتعزيز استقلال القرار الاقتصادي.
وفي المقابل، تواجه جهود تطوير القطاع البحري عددًا من التحديات، أبرزها الحاجة إلى تحسين البنية التحتية الساحلية، ورفع قدرات المؤسسات البحرية، وتوفير أطر قانونية وتنظيمية أكثر فاعلية لضمان إدارة الموارد بطريقة مستدامة.
ويؤكد خبراء أن نجاح الصومال في بناء اقتصاد بحري قوي يتطلب تكامل الجهود بين الحكومة والقطاع الخاص والشركاء الدوليين، إلى جانب التركيز على تدريب الكوادر المحلية وضمان استفادة المجتمعات الساحلية من المشاريع الجديدة.
خلفية المشهد
ظل البحر الصومالي يمثل ثروة استراتيجية غير مستغلة بالكامل رغم امتلاك البلاد موقعًا جغرافيًا فريدًا وسواحل واسعة تطل على المحيط الهندي وخليج عدن، حيث حالت الظروف الأمنية والسياسية التي مرت بها البلاد خلال العقود الماضية دون تطوير قطاع بحري قادر على تحقيق عوائد اقتصادية كبيرة.
وخلال السنوات الأخيرة، بدأت الصومال إعادة بناء رؤيتها تجاه المجال البحري من خلال تعزيز أمن السواحل، وتطوير التشريعات المنظمة للموارد البحرية، وبناء شراكات دولية تهدف إلى حماية المياه الصومالية واستثمار إمكاناتها الاقتصادية، في تحول يعكس الانتقال التدريجي من التعامل مع البحر كملف أمني إلى اعتباره ركيزة للتنمية.
ويعتقد محللون أن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد قدرة الصومال على تحويل موارده البحرية إلى قوة اقتصادية حقيقية، إذ يتطلب ذلك إدارة شفافة، واستثمارات مستدامة، وتعزيز المؤسسات الوطنية، بما يضمن أن تصبح الثروة البحرية عاملًا رئيسيًا في خلق الوظائف ودعم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للأجيال القادمة.














