واشنطن – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
دعا تقرير بحثي أمريكي جديد إلى إعادة تقييم شاملة للسياسة العسكرية التي تنتهجها الولايات المتحدة في الصومال، مطالبًا بإنهاء الضربات الجوية والعمليات العسكرية الأمريكية بصورة تدريجية، بعد أن خلص إلى أن استمرار التدخل العسكري المباشر لم يحقق، وفق تقدير المركز، النتائج المرجوة في إضعاف الجماعات المسلحة وإنهاء التهديدات الأمنية في البلاد.
وجاءت هذه الدعوة في تقرير صادر عن مركز أولويات الدفاع، وهو مركز أبحاث مقره العاصمة الأمريكية واشنطن، حيث أكد أن استمرار العمليات العسكرية الأمريكية في الصومال لا يستند إلى وجود تهديد مباشر للأمن القومي الأمريكي صادر من الأراضي الصومالية، مشيرًا إلى أن الجماعات المسلحة الناشطة في البلاد تركز بصورة أساسية على الصراع الداخلي، وليس على تنفيذ عمليات واسعة تستهدف الولايات المتحدة أو مصالحها خارج الصومال.
وأوضح التقرير أن حركة الشباب وتنظيم داعش في الصومال لا يظهران، بحسب تقييم المركز، قدرة أو استراتيجية تهدف إلى تنفيذ هجمات كبيرة داخل الأراضي الأمريكية، مبينًا أن نشاطهما العسكري يتركز في مواجهة الحكومة الصومالية والقوات الأمنية المحلية، ومحاولة الحفاظ على مناطق النفوذ داخل البلاد، بدلًا من بناء قدرات لتنفيذ عمليات خارجية واسعة النطاق.
وأشار التقرير إلى أن الجماعات المسلحة في الصومال، رغم تعرضها لضربات عسكرية متواصلة وخسائر ميدانية خلال السنوات الماضية، ما زالت قادرة على إعادة تنظيم صفوفها وتنفيذ هجمات والحفاظ على وجودها في بعض المناطق، الأمر الذي اعتبره المركز دليلًا على أن الخيار العسكري وحده لم يكن كافيًا لإنهاء التحديات الأمنية المعقدة.
وأكد التقرير أن الضربات الجوية الأمريكية والدعم العسكري والاستخباراتي المقدم للقوات الصومالية لم يؤديا حتى الآن إلى إحداث تحول حاسم في طبيعة الصراع، مشيرًا إلى أن استمرار العمليات العسكرية طويلة الأمد قد لا يكون قادرًا بمفرده على معالجة الأسباب العميقة التي تساعد الجماعات المسلحة على الاستمرار، والتي ترتبط بعوامل سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية.
وقال الباحث البارز في مركز أولويات الدفاع، ويليام والدورف، إن المصالح الأمنية والاستراتيجية الأمريكية في الصومال محدودة، موضحًا أن حجم المهمة العسكرية الحالية يحتاج إلى مراجعة دقيقة للتأكد من توافقها مع أولويات الولايات المتحدة ومصالحها المباشرة.
وأضاف والدورف أن واشنطن مطالبة بالبحث عن مقاربة جديدة تعتمد بصورة أكبر على دعم المؤسسات الأمنية الصومالية، وتعزيز قدرات القوات الوطنية، بدلًا من استمرار الاعتماد على العمليات العسكرية المباشرة، مؤكدًا أن بناء دولة قادرة على إدارة أمنها يمثل عنصرًا أساسيًا لتحقيق استقرار طويل الأمد.
وأوضح التقرير أن الجماعات المسلحة الموجودة في الصومال لا تمثل، وفق تقييم المركز، خطرًا مباشرًا على الأراضي الأمريكية، مشيرًا إلى أن استمرار الحملة العسكرية قد يؤدي في بعض الحالات إلى نتائج عكسية إذا لم ترافقها جهود سياسية وتنموية تهدف إلى معالجة الظروف التي تستغلها الجماعات المسلحة في توسيع نفوذها.
وتأتي هذه التوصيات في وقت تشهد فيه العمليات الجوية الأمريكية في الصومال تصاعدًا ملحوظًا، حيث أعلنت القيادة الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم) تنفيذ نحو 80 غارة جوية خلال العام الجاري، بعد أن شهد العام الماضي تنفيذ قرابة 125 ضربة جوية ضد مواقع تابعة للجماعات المسلحة.
وشهدت وتيرة الضربات الجوية ارتفاعًا عقب منح قادة القيادة الأمريكية في أفريقيا صلاحيات أوسع لاتخاذ قرارات مرتبطة بتنفيذ العمليات الجوية، وهو ما سمح بتوسيع نطاق التحركات العسكرية الأمريكية في الصومال خلال الفترة الأخيرة، وسط استمرار الجدل داخل واشنطن حول جدوى هذه العمليات.
وأشار التقرير إلى أن ارتفاع عدد الضربات الجوية لم يؤد، بحسب تقييم المركز، إلى إضعاف حركة الشباب بشكل حاسم، موضحًا أن الحركة تمكنت خلال عام 2025 من تحقيق مكاسب ميدانية واستعادة السيطرة على بعض المناطق التي فقدتها سابقًا أمام القوات الحكومية الصومالية والقوات الداعمة لها.
وبيّن التقرير أن القوات الحكومية الصومالية نجحت في تعزيز الأمن في محيط العاصمة مقديشو وبعض المناطق الأخرى، إلا أن مناطق واسعة من وسط البلاد لا تزال تواجه نشاطًا مستمرًا لحركة الشباب، ما يعكس استمرار تعقيد المشهد الأمني والحاجة إلى حلول تتجاوز الجانب العسكري فقط.
وأكد التقرير أن معالجة الوضع الأمني في الصومال تتطلب، إلى جانب العمليات الأمنية، تعزيز مؤسسات الدولة، ودعم التنمية الاقتصادية، وتحسين الخدمات الأساسية، باعتبار أن الاستقرار لا يتحقق فقط عبر مواجهة الجماعات المسلحة، وإنما من خلال معالجة الظروف التي تسمح بظهورها واستمرارها.
وفي ختام تقييمه، أوصى مركز أولويات الدفاع بأن تعمل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على وضع خطة لإنهاء المهمة العسكرية الأمريكية في الصومال بصورة تدريجية خلال فترة زمنية قصيرة، مع نقل مسؤوليات أكبر في المجال الأمني إلى الحكومة الصومالية ودول المنطقة والشركاء الدوليين.
كما أشار التقرير إلى أن تكلفة العمليات العسكرية الأمريكية في الصومال تصل إلى مئات الملايين من الدولارات، رغم عدم إعلان وزارة الدفاع الأمريكية بشكل رسمي عن الحجم الكامل للإنفاق، معتبرًا أن تقييم النتائج مقارنة بالتكاليف يمثل عاملًا مهمًا في تحديد مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في البلاد.
بدأت الولايات المتحدة تنفيذ عمليات عسكرية في الصومال منذ سنوات ضمن جهود مكافحة الجماعات المسلحة، وخاصة حركة الشباب وتنظيم داعش، إلى جانب تقديم الدعم والتدريب والمساعدة الاستخباراتية للقوات الأمنية الصومالية بهدف رفع قدرتها على مواجهة التحديات الأمنية.
وشهد التعاون الأمني بين واشنطن ومقديشو تطورًا خلال السنوات الماضية، حيث أصبحت الولايات المتحدة أحد أبرز الشركاء الدوليين في دعم القطاع الأمني الصومالي، إلا أن طبيعة هذا الدور ومستقبله لا يزالان موضع نقاش داخل الأوساط السياسية والعسكرية الأمريكية.
ويرى مؤيدو استمرار الوجود العسكري الأمريكي أن العمليات الجوية والدعم المباشر ضروريان لمنع توسع الجماعات المسلحة وحماية الاستقرار الإقليمي، بينما يدعو منتقدون إلى تقليص التدخل العسكري والتركيز بصورة أكبر على بناء قدرات المؤسسات الصومالية وتمكينها من تولي المسؤولية الأمنية على المدى الطويل.














