غروي – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
في وقت تشهد فيه ولاية بونتلاند نقاشات سياسية متزايدة حول مستقبل الاستقرار الداخلي وطبيعة العلاقة بين المؤسسات الرسمية والمكونات الاجتماعية، خرج زعيم الولاية سعيد عبدالله دني بتصريحات حازمة حذر فيها من تنامي التشكيلات العسكرية ذات الطابع القبلي، مؤكدًا أن حماية الدولة ومؤسساتها يجب أن تظل فوق أي اعتبارات أخرى. وشدد دني على أن أمن بونتلاند واستقرارها السياسي لا يمكن أن يتحققا إلا من خلال تعزيز سلطة القانون، وتوحيد المؤسسات الأمنية، ومنع ظهور أي قوى مسلحة تعمل خارج الإطار الرسمي للحكومة.
وأوضح دني أن بونتلاند ليست مجرد تجمع قبلي أو تحالف اجتماعي، وإنما هي كيان سياسي تأسس على إرادة مشتركة بين مختلف المكونات التي اختارت بناء مؤسسات حكم وإدارة وأمن، مؤكدًا أن القبائل لعبت دورًا مهمًا في نشأة التجربة، لكنها لا يمكن أن تكون بديلًا عن مؤسسات الدولة. وأضاف أن المحافظة على هوية بونتلاند كإدارة قائمة على المؤسسات تتطلب الفصل بين الدور الاجتماعي للقبائل وبين مسؤوليات الدولة، بحيث تكون المكونات المجتمعية عامل دعم للاستقرار وليس وسيلة لإنشاء كيانات أمنية موازية قد تؤثر على وحدة القرار السياسي والأمني.
وأكد زعيم بونتلاند أن حكومته متمسكة بالدفاع عن ما وصفه بـ”قضية بونتلاند ودولتها”، مشيرًا إلى أن التجربة التي بنتها الولاية خلال العقود الماضية تقوم على فكرة وجود مؤسسات قادرة على إدارة الشؤون العامة وحماية المواطنين. وقال إن أي محاولة لإعادة تشكيل المشهد الأمني على أساس عشائري أو مناطقي قد تحمل مخاطر كبيرة على تماسك المجتمع، لأنها قد تفتح الباب أمام تعدد مراكز القوة وإضعاف سلطة المؤسسات الرسمية. وأضاف أن الدولة القوية هي التي تستوعب تنوع المجتمع وتحوله إلى مصدر قوة، وليس التي تسمح بتحويل الانتماءات الاجتماعية إلى أدوات للصراع السياسي.
وفي رسالة مباشرة إلى الجهات التي تتحدث عن امتلاك قوات مرتبطة بالقبائل أو المناطق، وجه دني تحذيرًا شديدًا من استخدام الخطاب القبلي لتحقيق أهداف سياسية، مؤكدًا أن المرحلة الحالية تتطلب الحفاظ على وحدة الصف الداخلي والابتعاد عن أي ممارسات قد تهدد الأمن العام. وقال إن من يحاول استخدام “بطاقة القبيلة” أو تقديم نفسه عبر قوة اجتماعية مسلحة لن يجد قبولًا في مسار بناء الدولة، مشددًا على أن الطريق الذي ستسلكه بونتلاند هو طريق المؤسسات والقانون. وأوضح أن التجارب السياسية السابقة أثبتت أن استقرار المجتمعات لا يتحقق عبر موازين القوى التقليدية، وإنما عبر وجود نظام مؤسسي يحظى بثقة المواطنين ويحافظ على حقوق جميع المكونات.
كما تناول دني الأوضاع السياسية الداخلية، منتقدًا بعض القوى المعارضة التي قال إنها لم تتقبل نتائج الانتخابات التي جرت في يناير/كانون الثاني 2024، معتبرًا أن الاختلاف السياسي جزء طبيعي من أي تجربة ديمقراطية، لكنه يجب أن يبقى ضمن الأطر القانونية والدستورية. وأكد أن المعارضة السياسية لها دور مهم في أي نظام حكم، إلا أن ممارسة هذا الدور يجب ألا تتحول إلى تحركات تهدد الاستقرار أو تستخدم أدوات خارج إطار العملية السياسية. ودعا جميع الأطراف إلى تجاوز الخلافات الشخصية والسياسية، والعمل من أجل حماية تجربة بونتلاند والحفاظ على الأمن والمصالح العامة للسكان.
وشدد زعيم بونتلاند على أن حكومته ستواصل تنفيذ رؤيتها القائمة على تعزيز مؤسسات الدولة وتطوير قدرات الأجهزة الأمنية والإدارية، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة تتطلب تعاونًا واسعًا بين الحكومة والمجتمع والقوى السياسية. وأوضح أن حماية المكتسبات التي حققتها الولاية خلال السنوات الماضية تحتاج إلى خطاب مسؤول يضع مصلحة المجتمع فوق الحسابات الضيقة، مشيرًا إلى أن الاستقرار السياسي والأمني يمثل الأساس لأي عملية تنمية أو تقدم. وأضاف أن بونتلاند ستواصل العمل على ترسيخ مفهوم الدولة، وتعزيز ثقة المواطنين بالمؤسسات الرسمية، ومنع أي محاولات قد تعيد إنتاج مظاهر الانقسام أو الصراع الداخلي.
تأتي تصريحات زعيم بونتلاند سعيد عبدالله دني في سياق مرحلة سياسية حساسة تشهدها الولاية، حيث تتداخل فيها الملفات الأمنية والسياسية والاجتماعية، وسط نقاشات مستمرة حول مستقبل الحكم وطبيعة العلاقة بين الدولة والمكونات التقليدية. وتعد مسألة بناء مؤسسات قوية قادرة على إدارة التنوع الاجتماعي أحد أبرز التحديات التي تواجه التجارب السياسية في الصومال، خاصة في ظل استمرار تأثير البنية القبلية على الحياة العامة والسياسية.
ومنذ تأسيس بونتلاند عام 1998، سعت الولاية إلى تقديم نموذج يقوم على بناء مؤسسات حكم محلية وأجهزة أمنية وإدارية مستقرة، مستفيدة من التوافق بين مختلف المكونات الاجتماعية التي شاركت في تأسيس التجربة. وقد تمكنت خلال سنوات طويلة من تطوير هياكل إدارية وأمنية جعلتها واحدة من أكثر المناطق استقرارًا نسبيًا في الصومال، إلا أن التحدي الأكبر ظل مرتبطًا بالحفاظ على التوازن بين الواقع الاجتماعي التقليدي ومتطلبات الدولة الحديثة.
ويرى مراقبون أن بناء مؤسسات أمنية موحدة وخاضعة للقانون يمثل أحد الشروط الأساسية لضمان الاستقرار طويل الأمد، خصوصًا في المجتمعات التي تمتلك تركيبة اجتماعية معقدة. كما يؤكدون أن إدارة الخلافات السياسية عبر الحوار والمؤسسات الدستورية تعد الطريق الأكثر فاعلية للحفاظ على السلم الأهلي ومنع انتقال التنافس السياسي إلى مواجهات تؤثر على المجتمع.
وتعكس تصريحات دني توجهًا واضحًا نحو التأكيد على مركزية الدولة والمؤسسات في المرحلة المقبلة، في ظل تحديات داخلية وإقليمية تواجه بونتلاند والصومال عمومًا. فنجاح أي تجربة سياسية لا يعتمد فقط على قوة القيادة أو تماسك المكونات الاجتماعية، وإنما على قدرة المؤسسات على فرض القانون وتحقيق العدالة وضمان مشاركة جميع الأطراف ضمن إطار سياسي مستقر. ويبقى مستقبل بونتلاند مرتبطًا بمدى نجاح مختلف القوى في جعل الدولة إطارًا جامعًا يتجاوز الانقسامات الضيقة، ويعزز مفهوم المواطنة والاستقرار والتنمية.














