مقديشو – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
أعلن رئيس الوزراء الفيدرالي الصومالي، حمزة عبدي بري، عن توجه حكومي واسع النطاق يهدف إلى إطلاق عملية تجنيد عسكري كبيرة داخل ولاية بونتلاند، في إطار خطة استراتيجية شاملة لإعادة بناء وتطوير الجيش الوطني الصومالي، وتعزيز قدراته البشرية والتنظيمية، بما يواكب التحديات الأمنية المتصاعدة التي تشهدها البلاد في هذه المرحلة الحساسة.
وأكد رئيس الوزراء، في تصريحات نقلتها وسائل إعلام محلية، أن الحكومة الفيدرالية تخطط لتجنيد نحو 30 ألف جندي من ولاية بونتلاند، موضحًا أن هذا الرقم يعكس حجم الرهان على توسيع قاعدة المشاركة الوطنية في المؤسسة العسكرية، وإشراك مختلف مكونات الشعب الصومالي في تحمل مسؤولية الدفاع عن الدولة وحماية سيادتها.
وأوضح حمزة عبدي بري أن هذه الخطوة لا تُعد مجرد برنامج تجنيد تقليدي، بل تأتي ضمن مشروع وطني أوسع لإعادة صياغة بنية الجيش الوطني على أسس حديثة، تقوم على المهنية والانضباط، وتكافؤ الفرص بين الولايات، وبناء مؤسسة عسكرية قادرة على العمل كجسم واحد موحد بعيدًا عن التجاذبات السياسية والجهوية.
وأضاف رئيس الوزراء أن أبناء ولاية بونتلاند، وخاصة في مدينة بوصاصو، كان لهم دور تاريخي بارز في دعم الدولة الصومالية خلال مراحل مختلفة من إعادة البناء، حيث ساهموا في رفد المؤسسات الأمنية والإدارية، وتحملوا أعباء كبيرة في فترات الاضطراب التي مرت بها البلاد، وهو ما يجعلهم جزءًا أصيلًا من مسار الدولة الحديثة.
وأشار إلى أن الحكومة الفيدرالية تنظر إلى هذه الإسهامات باعتبارها رصيدًا وطنيًا جامعًا، مؤكّدًا أن مشروع بناء الجيش الوطني لا يمكن أن ينجح إلا عبر شراكة حقيقية بين جميع مكونات الشعب الصومالي، تقوم على الثقة المتبادلة، وتجاوز الخلافات السياسية، وتغليب المصلحة الوطنية العليا على الاعتبارات الضيقة.
كما شدد على أن الهدف من خطة التجنيد لا يقتصر على زيادة أعداد القوات المسلحة، بل يمتد إلى بناء مؤسسة عسكرية احترافية، تمتلك قدرة تنظيمية عالية، وتخضع لمنظومة تدريب موحدة، وتعمل وفق عقيدة وطنية واحدة، بما يعزز قدرتها على مواجهة التهديدات الأمنية المختلفة في الداخل والخارج.
وفي سياق متصل، أشار رئيس الوزراء الصومالي إلى أن الحكومة تواصل تنفيذ إصلاحات داخل القطاع الأمني تهدف إلى تحديث منظومة التجنيد والتدريب، وربطها بمعايير مهنية دقيقة، بما يضمن رفع كفاءة القوات المسلحة، وتعزيز جاهزيتها، وتطوير قدراتها في مجالات القيادة والسيطرة والانتشار الميداني.
وتأتي هذه التصريحات في وقت بالغ الحساسية، يشهد فيه الملف الأمني والعسكري في الصومال نقاشات سياسية واسعة حول مستقبل توحيد القوات المسلحة، وسط تحديات معقدة تتعلق بالعلاقة بين الحكومة الفيدرالية والإدارات الإقليمية، إضافة إلى استمرار التهديدات الأمنية التي تمثلها الجماعات المسلحة، ما يجعل من ملف بناء الجيش الوطني أحد أهم أولويات المرحلة الانتقالية في البلاد.
يُعد ملف بناء الجيش الوطني في الصومال من أكثر الملفات تعقيدًا وتشابكًا في تاريخ الدولة الحديث، ليس فقط لأنه يتعلق بإعادة تشكيل مؤسسة عسكرية، بل لأنه يرتبط بشكل مباشر بمفهوم الدولة نفسها، وبقدرة النظام السياسي على إعادة إنتاج سلطة مركزية موحدة بعد انهيار شامل وقع مطلع التسعينيات.
فمنذ انهيار الحكومة المركزية عام 1991، دخلت البلاد في مرحلة طويلة من التفكك المؤسسي، ظهرت خلالها كيانات مسلحة وإدارية متعددة، توزعت بين مناطق مختلفة، ما أدى إلى غياب جيش وطني موحد قادر على احتكار القوة الشرعية، وهو ما جعل مسألة الأمن في الصومال تعتمد على ترتيبات متغيرة وتحالفات مرحلية أكثر من اعتمادها على مؤسسة دائمة مستقرة.
وفي هذا السياق، برزت بونتلاند كإحدى أبرز الولايات التي لعبت دورًا مهمًا في دعم جهود بناء الدولة، من خلال رفدها المتكرر للمؤسسات الأمنية بالقوى البشرية، إلا أن العلاقة بينها وبين الحكومة الفيدرالية ظلت خاضعة لتقلبات سياسية، مرتبطة بملفات تقاسم السلطة، والموارد، وصلاحيات النظام الفيدرالي، ما جعل التعاون بين الطرفين يتقدم أحيانًا ويتراجع في أحيان أخرى.
كما أن أي إعلان واسع النطاق لتجنيد آلاف الجنود من إقليم واحد يفتح تلقائيًا نقاشًا سياسيًا حساسًا داخل البلاد، يتعلق بمستقبل التوازن بين المركز والولايات، ومدى قدرة الدولة على إدارة ملف الأمن القومي بطريقة جامعة، تضمن العدالة في التمثيل، وتمنع في الوقت نفسه إعادة إنتاج الانقسامات التي عانى منها البلد لعقود طويلة.
وبالتالي، فإن نجاح مشروع الجيش الوطني الصومالي لا يرتبط فقط بزيادة أعداد القوات أو توسيع نطاق التجنيد، بل يعتمد بالأساس على بناء توافق سياسي مستدام، يدمج بين الاعتبارات الأمنية ومتطلبات الفيدرالية، ويؤسس لمؤسسة عسكرية واحدة قادرة على فرض الاستقرار وحماية الدولة من الداخل والخارج، بما يفتح الطريق أمام مرحلة أكثر استقرارًا في مستقبل الصومال السياسي والأمني.














