مقديشو – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
حذّر الاتحاد الوطني للصحفيين الصوماليين من أن مشروع قانون العقوبات المعدّل المطروح أمام المؤسسات التشريعية في الصومال قد يشكل تهديدًا مباشرًا وواسع النطاق لحرية التعبير والعمل الصحفي المستقل، إذا ما تم اعتماده بصيغته الحالية دون إدخال تعديلات جوهرية تعالج الإشكالات القانونية التي أثارها الاتحاد، والتي يرى أنها تمس بشكل مباشر الحقوق الدستورية والحريات الأساسية المكفولة للمواطنين.
وأوضح الاتحاد في بيان رسمي أن الحكومة الفيدرالية كانت قد صادقت على مسودة القانون في 4 ديسمبر 2025، قبل أن تُحال إلى مجلس الشعب لمناقشتها واتخاذ القرار النهائي بشأنها، مشيرًا إلى أن خطوة إصلاح قانون العقوبات تُعد من حيث المبدأ تطورًا تشريعيًا مهمًا، لكنها في الوقت ذاته تثير مخاوف جدية بسبب احتوائها على مواد قد تُستخدم لتقييد العمل الصحفي والنقد العام تحت غطاء قانوني واسع.
وأكد الاتحاد أن مراجعة قانونية دقيقة أجراها على مشروع القانون كشفت عن استمرار بعض النصوص الواردة في قانون العقوبات القديم لعام 1964، إلى جانب إدراج مواد جديدة قد تفتح الباب أمام تجريم ممارسات صحفية مشروعة، بما في ذلك التحقيقات الاستقصائية ونشر المعلومات المتعلقة بالشأن العام، وهو ما قد يؤدي إلى تقليص مساحة الحرية الإعلامية في البلاد.
وأشار البيان إلى أن من بين المواد المثيرة للقلق بشكل خاص المواد 144 و157 و158 و163 و170 و221 و224 و235 و307 و308 و418 و420 و423، موضحًا أن هذه النصوص تتناول قضايا تتعلق بالتشهير الجنائي، ونشر المعلومات المضللة، والتغطية الاقتصادية، والمسائل المرتبطة بالمصالح الوطنية، إضافة إلى قضايا تتعلق بالإساءة للمؤسسات العامة والمسؤولين، وهو ما يثير مخاوف من توسيع نطاق التجريم.
وأضاف الاتحاد أن الإشكال لا يقتصر على مضمون هذه المواد فحسب، بل يمتد إلى الصياغات القانونية الفضفاضة التي تتضمن مصطلحات غير دقيقة مثل “المعلومات الكاذبة”، و“المصلحة الوطنية”، و“النظام العام”، و“الاستقرار الاقتصادي”، و“الآداب العامة”، و“الإساءة”، معتبرًا أن غياب التعريفات الدقيقة لهذه المفاهيم قد يفتح الباب أمام تأويلات واسعة وتطبيقات انتقائية للقانون.
وحذّر الاتحاد من أن هذه الصياغات قد تُستخدم لتقييد التغطية الصحفية لقضايا حساسة، مثل الفساد، والانتخابات، والعمليات الأمنية، وأداء المؤسسات الحكومية، وهي مجالات تُعد جوهر العمل الصحفي ودوره الأساسي في تعزيز الشفافية والمساءلة العامة داخل المجتمع.
كما أعرب الاتحاد عن قلقه من استمرار وتجريم ما يُعرف بالتشهير الجنائي، ومنح حماية قانونية خاصة للمسؤولين والمؤسسات العامة ضد النقد، مؤكدًا أن ذلك يتعارض مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، التي تنص على ضرورة خضوع المسؤولين العموميين لمستوى أعلى من الرقابة والمساءلة، وليس العكس.
وأشار البيان كذلك إلى أن مشروع القانون لا يتضمن ضمانات كافية لحماية حقوق الفئات الضعيفة، ولا يوفر آليات واضحة تضمن المحاكمة العادلة أو تمنع إساءة استخدام النصوص العقابية، ما يستدعي – بحسب الاتحاد – مراجعة شاملة وتشاركية قبل أي اعتماد نهائي، بمشاركة الجهات الإعلامية والقانونية والمجتمعية.
واختتم الاتحاد بيانه بدعوة وزارة العدل والشؤون الدستورية ومجلس الشعب إلى فتح حوار واسع وشفاف حول مشروع القانون، يشارك فيه الصحفيون وخبراء القانون ومنظمات المجتمع المدني، بهدف صياغة قانون حديث ومتوازن يحمي النظام العام دون أن يقيد حرية الصحافة أو يحد من حق المجتمع في الوصول إلى المعلومات.
يأتي هذا الجدل في إطار مرحلة إصلاح تشريعي أوسع تشهدها الصومال، تهدف إلى تحديث المنظومة القانونية بما يتماشى مع الدستور المؤقت والالتزامات الدولية للدولة. غير أن ملف حرية الإعلام يظل من أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا، نظرًا لتداخله مع اعتبارات الأمن والسياسة والحكم الرشيد. وفي هذا السياق، تبرز أهمية التوصل إلى توازن دقيق بين حماية مؤسسات الدولة من إساءة الاستخدام الإعلامي، وضمان عدم تحول التشريعات إلى أدوات لتقييد النقد المشروع أو إضعاف الدور الرقابي للصحافة في المجتمع.














