مقديشو – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
في خضم تصاعد الجدل السياسي حول مستقبل المرحلة المقبلة في الصومال، صعّد وزير الدفاع في الحكومة الفيدرالية أحمد معلم فقي لهجته تجاه قوى المعارضة السياسية، معتبرًا أن الدعوات التي تطالب بتشكيل مجلس انتقالي لإدارة البلاد تمثل مساسًا بمسار بناء الدولة وسيادتها الوطنية. وجاءت تصريحات فقي بعد أقل من 24 ساعة من رسالة وجهتها أطراف معارضة إلى المجتمع الدولي والدول التي تساهم بقوات في الصومال، دعت فيها إلى إنشاء هيئة انتقالية تتولى إدارة شؤون البلاد إلى حين تشكيل حكومة جديدة، في خطوة أثارت نقاشًا واسعًا بشأن مستقبل العملية السياسية وطبيعة المرحلة القادمة.
وقال الوزير في بيان نشره ردًا على مواقف المعارضة، إن بعض الأصوات السياسية تجاوزت حدود الخلاف المشروع مع الحكومة، وانتقلت إلى التشكيك في أسس الدولة والنظام الدستوري القائم. وأضاف أن أعضاء المعارضة الذين عبروا عن رفضهم لهذه الدعوات بشكل مسؤول يستحقون التقدير، في مقابل ما وصفه برسالة “مسيئة” تهدف إلى إشراك أطراف خارجية في قضايا داخلية تخص مستقبل الصومال. وأكد أن معالجة الخلافات السياسية يجب أن تتم عبر القنوات الوطنية والحوار بين الأطراف الصومالية، بما يحفظ استقلالية القرار الوطني.
وأكد فقي أن الخلافات السياسية بين الحكومة والمعارضة تعد جزءًا طبيعيًا من أي نظام ديمقراطي، إلا أن حماية سيادة الدولة ومؤسساتها يجب أن تبقى فوق الحسابات السياسية. وأشار إلى أن بناء الدولة الصومالية جاء بعد سنوات طويلة من التضحيات والجهود الوطنية، معتبرًا أن أي دعوة قد تؤدي إلى إعادة البلاد إلى مراحل انتقالية جديدة تمثل تهديدًا للمكتسبات التي تحققت خلال السنوات الماضية. وشدد على أن المرحلة الحالية تتطلب تعزيز المؤسسات القائمة وتطوير قدرتها على إدارة شؤون البلاد وفق الأطر الدستورية والقانونية.
وفي انتقاده لمجلس مستقبل الصومال المعارض، قال وزير الدفاع إن مواقف بعض أعضائه لم تعد، بحسب تعبيره، تقتصر على معارضة الحكومة الحالية، بل أصبحت تعكس اعتراضًا على مفهوم الدولة الصومالية نفسه. واتهم بعض الأطراف بالعمل وفق أجندات خارجية، محذرًا من أن مثل هذه المواقف قد تدخل في إطار الإضرار بالمصلحة الوطنية وتقويض مؤسسات الدولة. كما أكد أن المعارضة السياسية حق مشروع في أي نظام ديمقراطي، إلا أن ممارستها يجب أن تظل ضمن إطار يحافظ على وحدة البلاد واستقرارها ومصالح شعبها.
وتأتي تصريحات فقي في ظل تصاعد التوتر السياسي بين الحكومة الفيدرالية وعدد من قوى المعارضة، خاصة بعد الجدل المتعلق بمستقبل العملية الانتخابية، والتعديلات الدستورية، وشكل إدارة المرحلة المقبلة. وكانت قوى معارضة قد كثفت خلال الفترة الأخيرة تحركاتها السياسية، مطالبة بضمانات أوسع بشأن إدارة الشأن الوطني، فيما تؤكد الحكومة أن المسار الحالي يجب أن يستمر عبر المؤسسات الدستورية القائمة والحوار السياسي الداخلي. ويعكس هذا الخلاف حجم التباين في الرؤى بين الأطراف السياسية حول الطريق الأنسب لإدارة المرحلة القادمة.
ويرى مراقبون أن التصعيد المتبادل بين الحكومة والمعارضة يعكس عمق الخلافات حول مستقبل النظام السياسي في الصومال، حيث باتت قضايا الانتخابات والدستور وإدارة المرحلة المقبلة محورًا رئيسيًا للصراع السياسي. ويؤكد المراقبون أن استمرار الخطاب التصعيدي بين الأطراف المختلفة قد يزيد من تعقيد المشهد، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى توافق سياسي واسع لمواجهة التحديات الأمنية والتنموية وتعزيز مؤسسات الدولة.
كما يرى محللون أن المرحلة المقبلة ستكون اختبارًا حقيقيًا لقدرة النخب السياسية الصومالية على الانتقال من منطق المواجهة إلى مسار الشراكة الوطنية، خصوصًا مع اقتراب استحقاقات سياسية مهمة تتطلب توافقًا واسعًا بين مختلف المكونات. ويؤكد هؤلاء أن مستقبل الاستقرار السياسي لن يتحدد فقط عبر المواقف المتبادلة، وإنما بقدرة الأطراف على الوصول إلى تفاهمات تحمي الدولة وتضمن استمرار بناء المؤسسات وترسيخ الممارسة الديمقراطية.
تجدر الإشارة إلى أن الصومال مرت خلال العقود الماضية بمراحل سياسية وأمنية معقدة اتسمت بضعف مؤسسات الدولة وتكرار الفترات الانتقالية، قبل أن تبدأ تدريجيًا في بناء نظام سياسي جديد قائم على الفيدرالية وتطوير مؤسسات الحكم. وقد ظلت قضايا الدستور، والانتخابات، وتوزيع الصلاحيات بين الحكومة الفيدرالية والولايات الأعضاء من أكثر الملفات تأثيرًا على المشهد الوطني، نظرًا لارتباطها المباشر بشكل الدولة ومستقبلها السياسي. ومع اقتراب استحقاقات وطنية جديدة، تواجه النخب الصومالية مسؤولية تاريخية تتمثل في تحقيق توازن دقيق بين حق الاختلاف السياسي وضرورة الحفاظ على سيادة الدولة واستقرار مؤسساتها. وفي ظل التحديات الأمنية والاقتصادية التي ما تزال تواجه البلاد، يبقى الحوار الوطني الشامل والتوافق بين مختلف الأطراف الطريق الأكثر أهمية لضمان انتقال سياسي مستقر، وتعزيز ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة، وتهيئة بيئة قادرة على تحقيق التنمية وبناء مستقبل أكثر استقرارًا للصومال.














