مقديشو – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
قالت مجموعة الأزمات الدولية في تقرير حديث إن الصراع المسلح المستمر بين الحكومة الفيدرالية الصومالية وحركة الشباب لا يزال عالقاً في حالة “جمود استراتيجي طويل الأمد”، مشيرة إلى أن أياً من الطرفين لم يتمكن حتى الآن من تحقيق حسم عسكري نهائي أو فرض سيطرة مستقرة وشاملة على الأرض، رغم سنوات ممتدة من العمليات العسكرية المتواصلة، وتعدد الحملات الأمنية، وتغير أنماط الدعم الإقليمي والدولي، وتبدل موازين القوة بشكل متكرر دون الوصول إلى نتيجة حاسمة.
وأوضح التقرير أن المشهد العسكري في الصومال شهد خلال الأعوام الأخيرة دورات متكررة من التقدم والتراجع، حيث تمكنت القوات الحكومية، بدعم من شركاء دوليين وإقليميين، من تحقيق مكاسب ميدانية معتبرة في عدد من مناطق وسط البلاد خلال عامي 2022 و2023، غير أن هذه المكاسب تعرضت لاحقاً لانتكاسات واسعة ومعقدة بعد الهجمات المنسقة التي شنتها حركة الشباب خلال عام 2025، والتي لم تكتفِ بإعادة خلط خريطة السيطرة، بل أعادت أيضاً فتح خطوط التماس في مناطق كانت تُعد مستقرة نسبياً.
وأضاف التقرير أن هذه التطورات كشفت عن عمق الإشكاليات البنيوية المرتبطة بطبيعة الحرب نفسها، حيث تبين أن السيطرة الميدانية في بيئة جغرافية واجتماعية مثل الصومال لا تعتمد فقط على التفوق العسكري، بل تتأثر أيضاً بعوامل محلية معقدة تشمل البنية القبلية، والتضاريس الوعرة، وضعف البنية التحتية، وامتداد المساحات الريفية، وهو ما يجعل أي تقدم عسكري عرضة للتآكل السريع في حال غياب إدارة مدنية وأمنية مستدامة على الأرض.
وأشار التقرير إلى أن الحكومة الصومالية، رغم نجاحها في تعزيز وجودها الأمني في عدد من النقاط الاستراتيجية المحيطة بالعاصمة مقديشو، لا تزال تواجه تحديات هيكلية عميقة في توسيع نطاق سيطرتها إلى المناطق الريفية الواسعة في وسط وجنوب البلاد، حيث تتداخل شبكات النفوذ المحلي مع محدودية القدرات اللوجستية، وضعف شبكات الإمداد، وصعوبة التضاريس، ما يجعل عمليات الانتشار العسكري عملية مكلفة ومعقدة وطويلة الأمد.
كما لفت التقرير إلى أن حركة الشباب لم تعد تعتمد على نمط عملياتي واحد، بل طورت خلال الفترة الأخيرة من أساليبها بشكل ملحوظ، حيث عملت على تعزيز وجودها داخل بعض المجتمعات المحلية، وبناء علاقات نفوذ اجتماعي وإداري غير رسمي في مناطق سيطرتها، إلى جانب تنويع أدواتها بين العمليات العسكرية المباشرة والضغط غير المباشر، بما يمنحها مرونة أكبر في مواجهة الضغوط العسكرية والأمنية المتزايدة.
وفي المقابل، أوضح التقرير أن الحكومة الصومالية تواجه تحديات داخلية متراكمة، تشمل استمرار الخلافات السياسية بين المستويات الفيدرالية والمحلية، وضعف التنسيق المؤسسي في بعض الملفات الأمنية الحساسة، إضافة إلى تذبذب مستويات الدعم الخارجي، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على قدرة الدولة في الحفاظ على استمرارية العمليات العسكرية، وتحويل المكاسب الميدانية المؤقتة إلى استقرار دائم ومستدام على الأرض.
وأكدت مجموعة الأزمات الدولية أن هذه العوامل مجتمعة أدت إلى حالة من “الاستنزاف الاستراتيجي المتبادل”، حيث لم يعد أي طرف قادراً على فرض سيطرة شاملة أو تحقيق انتصار حاسم، بينما يستمر الصراع في الدوران ضمن حلقات متكررة من التصعيد المحدود والتهدئة المؤقتة، ما جعل المشهد الأمني العام في البلاد يعيش حالة مزمنة من عدم الاستقرار، تتجدد آثارها بشكل دوري على المستويات العسكرية والسياسية والمؤسسية.
كما أشار التقرير إلى أن هذا الجمود العسكري انعكس بشكل مباشر على الوضع الإنساني في البلاد، إذ تتأثر حركة المساعدات الإنسانية بشكل متكرر، خصوصاً في المناطق المتنازع عليها أو التي تشهد تغيراً مستمراً في السيطرة، ما يؤدي إلى تعقيد عمليات الإغاثة، وارتفاع مستويات الاحتياج الإنساني، وتراجع قدرة المنظمات الدولية على تنفيذ برامجها بشكل مستدام، في ظل بيئة أمنية غير مستقرة.
ودعت المؤسسة الدولية إلى ضرورة إعادة النظر بشكل جذري في هيكلة قطاع الأمن في الصومال، من خلال رفع كفاءة التدريب والتجهيز للقوات الحكومية، وتعزيز التنسيق بين الحكومة الفيدرالية والولايات، ودعم قدرات القوات المحلية في تثبيت الأمن داخل المناطق المحررة، إضافة إلى بناء منظومة أمنية أكثر تكاملاً قادرة على التعامل مع طبيعة الصراع الممتد والمعقد.
كما شددت على أهمية إدماج الأبعاد السياسية والإنسانية والتنموية في أي مقاربة مستقبلية، مؤكدة أن الحل العسكري وحده لم يعد كافياً لإنهاء هذا الصراع، وأن معالجة جذوره تتطلب رؤية شاملة تجمع بين الإصلاح السياسي، وتعزيز الحكم المحلي، وتوسيع نطاق التنمية والخدمات الأساسية، بما يسهم في تقليص بيئة العنف وإرساء أساس أكثر صلابة للاستقرار.
يعكس هذا التقرير صورة مركبة ومعقدة للغاية للوضع في الصومال، حيث يتداخل الأمن مع السياسة والتنمية والواقع الإنساني في حلقة واحدة من التحديات المتشابكة. ومع استمرار حالة الجمود بين الحكومة وحركة الشباب، يبدو أن البلاد أمام مرحلة طويلة من الاستنزاف غير المحسوم، ما يجعل الحاجة إلى مقاربة شاملة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، مقاربة لا تكتفي بمعالجة الأعراض الأمنية، بل تتجه نحو معالجة جذور الأزمة عبر بناء مؤسسات قوية، وتعزيز الحكم الرشيد، وتوسيع نطاق التنمية، بما يضع أساساً حقيقياً لاستقرار طويل الأمد.














