هرجييسا – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
على الرغم من استمرار تداعيات النزاع الذي شهدته مدينة لاسعانود ومناطق واسعة من إقليم سول خلال السنوات الماضية، وما خلفه من آثار إنسانية وأمنية وسياسية لا تزال تلقي بظلالها على المشهد في شمال الصومال، بدأ وفد من كبار علماء الدين في ولاية بونتلاند تحركًا وساطيًا جديدًا بين صوماليلاند والإدارة الشمالية الشرقية، في محاولة لإحياء مسار الحوار وفتح نافذة جديدة أمام المصالحة الشاملة، بعد فترة طويلة من التوتر والقطيعة السياسية.
ويأتي هذا التحرك في ظل تصاعد الدعوات المحلية إلى ضرورة تجاوز مرحلة الصراع والانتقال نحو حلول سلمية تعالج جذور الأزمة، خاصة مع استمرار تأثيرات النزاع على حياة السكان، وتعطل حركة التجارة والتنقل، وتفاقم الاحتياجات الإنسانية في المناطق التي تأثرت بالمواجهات المسلحة.
ويحمل تحرك العلماء أهمية خاصة باعتباره مبادرة مجتمعية تسعى إلى بناء جسور التواصل بين الأطراف، اعتمادًا على المكانة التي تتمتع بها القيادات الدينية في المجتمع الصومالي، ودورها التاريخي في احتواء الخلافات وتقريب وجهات النظر بين المكونات المختلفة.
وأكد الوفد أن مبادرته لا تمثل انحيازًا لأي طرف سياسي، وإنما تهدف إلى دعم السلام والاستقرار، وتشجيع جميع الأطراف على العودة إلى طاولة الحوار، باعتبار أن الحلول السياسية والتفاهمات المتبادلة هي الطريق الأكثر قدرة على حماية المدنيين وضمان مستقبل مستقر للمنطقة.
خطوات عملية نحو الثقة
طرح وفد علماء الدين مجموعة من الإجراءات الأولية التي اعتبرها ضرورية لتهيئة الأجواء أمام عملية سلام أكثر شمولًا، وفي مقدمتها تبادل الأسرى والمحتجزين، وسحب القوات من المناطق المتنازع عليها، وإعادة فتح الطرق التجارية ومسارات حركة المدنيين بين المناطق المتأثرة بالنزاع.
وأوضح العلماء أن هذه الخطوات تمثل إجراءات لبناء الثقة بين الأطراف، إذ إن معالجة الملفات الإنسانية العاجلة يمكن أن تساعد في تخفيف آثار الأزمة، وتوفير بيئة أكثر ملاءمة لاستئناف الحوار السياسي حول القضايا الأساسية المرتبطة بالنزاع.
وأشار الوفد إلى أن استمرار إغلاق الطرق وتعطل الحركة التجارية أدى إلى زيادة الأعباء الاقتصادية على السكان المحليين، وأثر على وصول الخدمات والسلع الأساسية، مؤكدًا أن إعادة فتح هذه المسارات ستكون خطوة مهمة لاستعادة الحياة الطبيعية وتعزيز العلاقات الاجتماعية بين المجتمعات.
وشدد العلماء على أن السلام المستدام لا يمكن أن يقوم على الإجراءات الأمنية وحدها، بل يحتاج إلى معالجة الملفات السياسية والإدارية التي كانت وراء تصاعد الخلاف، بما يضمن مشاركة جميع الأطراف في صياغة مستقبل المنطقة.
ويرى مراقبون أن المبادرة الدينية قد تشكل فرصة جديدة لإعادة ترتيب مسار العلاقات بين الأطراف، خصوصًا أنها تأتي من جهة اجتماعية يمكنها التواصل مع مختلف المكونات بعيدًا عن الحسابات السياسية المباشرة.
هرجيسا تستقبل وفد الوساطة
وصل وفد علماء بونتلاند إلى مدينة هرجيسا، الثلاثاء، حيث عقد سلسلة لقاءات مع قيادة صوماليلاند، في إطار مساعٍ تهدف إلى بحث فرص المصالحة وإنهاء تداعيات النزاع الذي اندلع في لاسعانود وإقليم سول.
واستقبل رئيس صوماليلاند عبد الرحمن محمد عبد الله (عِرّو) الوفد، بحضور أعضاء من لجنة السلام في صوماليلاند، إلى جانب عدد من العلماء والمسؤولين الحكوميين، حيث ناقش الجانبان أهمية دعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وتحقيق الاستقرار.
وأكد العلماء خلال اللقاء أن هدف المبادرة يتمثل في تقريب وجهات النظر بين الأطراف، وتهيئة الظروف المناسبة لإطلاق عملية سياسية أكثر شمولًا، مشيرين إلى أن استمرار الخلافات لا يخدم مصالح السكان أو مستقبل المنطقة.
كما تناولت اللقاءات الجوانب الإنسانية المرتبطة بالنزاع، خاصة ملف الأسرى والمحتجزين، باعتباره أحد الملفات الحساسة التي يمكن أن تؤثر بشكل مباشر على فرص بناء الثقة بين الجانبين.
وقام الوفد بزيارة عدد من الأسرى الذين تم احتجازهم خلال المعارك في لاسعانود، والذين ما زالوا تحت سيطرة سلطات صوماليلاند، بهدف الاطلاع على أوضاعهم الإنسانية.
وقال الوفد عقب الزيارة إنه لمس تعاملًا إيجابيًا، وإن الأسرى الذين تمت زيارتهم كانوا في ظروف جيدة، مؤكدًا أن الجانب الإنساني يمثل عنصرًا أساسيًا في أي مسار سلام ناجح.
مبادرة انطلقت من غاروي
وأوضح العلماء أن فكرة الوساطة بدأت خلال اجتماع عقده عدد من علماء الدين في مدينة غاروي، حيث ناقش المشاركون أهمية تعزيز دور المؤسسات الدينية والاجتماعية في معالجة النزاعات الداخلية التي تؤثر على استقرار المجتمع الصومالي.
واتفق المشاركون على ضرورة الانتقال من مرحلة الدعوات العامة إلى خطوات عملية تقوم على التواصل المباشر مع الأطراف المختلفة، والاستماع إلى مواقفها، والعمل على إيجاد أرضيات مشتركة يمكن البناء عليها.
وبعد ذلك، أجرى الوفد مشاورات مع قيادات بونتلاند والإدارة الشمالية الشرقية، حيث أكد الطرفان دعمهما للجهود الرامية إلى تعزيز المصالحة وفتح المجال أمام حلول سلمية.
وأكد العلماء أن نجاح المبادرة يتطلب تعاونًا من جميع الأطراف، واستعدادًا حقيقيًا لتقديم تنازلات متبادلة، مشيرين إلى أن تحقيق السلام يحتاج إلى إرادة سياسية واجتماعية تضع مصلحة المواطنين في مقدمة الأولويات.
كما دعوا القيادات السياسية والعسكرية إلى منح الحوار فرصة كاملة، والعمل على تحويل المبادرة إلى مسار تفاوضي منظم يقود إلى تفاهمات طويلة الأمد.
نحو سلام شامل ومستدام
أكد وفد العلماء أن المرحلة المقبلة تتطلب عملية سلام متكاملة تتجاوز الإجراءات المؤقتة، وتعمل على معالجة القضايا السياسية والأمنية والتنموية المرتبطة بالنزاع.
وأوضح أن تبادل الأسرى وسحب القوات وفتح الطرق تمثل خطوات أولية، لكنها تحتاج إلى إطار أوسع يضمن استمرار الحوار ومعالجة الملفات التي ظلت مصدر خلاف بين الأطراف.
وأشار مراقبون إلى أن نجاح الوساطة قد يمثل نموذجًا مهمًا في إدارة النزاعات الصومالية، خاصة في ظل الحاجة إلى حلول محلية تعتمد على الحوار المجتمعي وتشارك فيها مختلف الأطراف.
كما أن استمرار التواصل بين هرجيسا وبونتلاند والإدارة الشمالية الشرقية يمكن أن يساهم في تخفيف التوترات وفتح مرحلة جديدة قائمة على التعاون والتنمية بدلًا من المواجهة.
خلفية المشهد
تعود جذور أزمة لاسعانود إلى تصاعد الخلافات السياسية والأمنية حول وضع إقليم سول، حيث شهدت المدينة خلال عام 2023 مواجهات مسلحة بين قوات صوماليلاند وقوى محلية، بعد أشهر من التوترات والاحتجاجات التي طالبت بإعادة النظر في الوضع الإداري والسياسي للمنطقة.
وأدت تلك المواجهات إلى سقوط مئات الضحايا ونزوح أعداد كبيرة من السكان، كما تسببت في أضرار واسعة على مستوى النشاط الاقتصادي والخدمات الأساسية، الأمر الذي جعل ملف المصالحة أحد أكثر التحديات إلحاحًا أمام الأطراف الصومالية.
وبعد اندلاع النزاع، عززت الإدارة الشمالية الشرقية علاقتها بالحكومة الفيدرالية الصومالية، بينما واصلت صوماليلاند التأكيد على موقفها القائم على اعتبار إقليم سول جزءًا من أراضيها، وهو ما أبقى الخلاف السياسي قائمًا رغم تراجع حدة المواجهات العسكرية مقارنة بالفترة الأولى من النزاع.
وخلال الفترة الماضية، دعت الحكومة الفيدرالية الصومالية وعدد من الأطراف الإقليمية والدولية إلى ضرورة اعتماد الحوار كوسيلة أساسية لحل الأزمة، مع التركيز على الإفراج عن الأسرى، وإنهاء المعاناة الإنسانية، وفتح المجال أمام تسوية سياسية تحقق الاستقرار.
وتأتي مبادرة علماء الدين في بونتلاند في سياق أوسع من الجهود المجتمعية الرامية إلى دعم السلام في الصومال، حيث لعبت الشخصيات الدينية والعشائرية تاريخيًا أدوارًا بارزة في المصالحات المحلية وإنهاء النزاعات المسلحة.
ويرى محللون أن نجاح أي اتفاق مستقبلي بشأن لاسعانود وإقليم سول سيعتمد على قدرة الأطراف المختلفة على تجاوز الخلافات السياسية، وبناء آليات ثقة متبادلة، والعمل على معالجة الأسباب العميقة للنزاع بدلًا من الاكتفاء بإدارة الأزمة.
كما يؤكد الخبراء أن السلام المستدام في المنطقة يحتاج إلى جانب الحوار السياسي برامج تنموية حقيقية تعيد بناء المناطق المتضررة، وتوفر فرص العمل والخدمات، وتعزز شعور السكان بالأمن والانتماء، بما يجعل المصالحة واقعًا مستقرًا وليس مجرد اتفاق مؤقت.














