نيويورك – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
رصد تقرير حديث أُحيل إلى مجلس الأمن الدولي تحولًا في أساليب عمل حركة الشباب في الصومال، مشيرًا إلى أن الحركة خفّضت، على ما يبدو، عدد الهجمات التي تنفذها، ولا سيما في مقديشو والمناطق المحيطة بها، مقابل زيادة التركيز على عمليات أكثر انتقائية وتخطيطًا واستهدافًا. ويأتي هذا التقييم في وقت تواصل فيه القوات الحكومية الصومالية وشركاؤها عمليات عسكرية وأمنية ضد الحركة، بما يفرض عليها ضغوطًا متزايدة ويدفعها إلى تعديل أنماط تحركها وتنفيذ عملياتها.
وأشار التقرير، الذي يحمل الرقم S/2026/651 ونُشر في 10 أغسطس 2026، إلى أن هذا التغير يمثل أحد أبرز التطورات في نشاط حركة الشباب خلال الفترة التي تناولها التقييم. وبحسب التقرير، لم تعد الحركة تعتمد بالوتيرة نفسها على الهجمات المتكررة التي شهدها عام 2025، فيما أصبح نشاطها أكثر تركيزًا في عدد من المناطق، من بينها هيرشبيلي، وجوبا السفلى، وجوبا الوسطى، وشبيلي السفلى، وغلمدغ.
ووصفت الأمم المتحدة هذا التحول بأنه اتجاه نحو «عمليات مستهدفة واستراتيجية»، بما يشير إلى سعي الحركة لاختيار أهدافها وتوقيت عملياتها بصورة أكثر دقة. غير أن التقرير لا يقدم، وفق المعطيات المتاحة، ما يكفي للقول إن انخفاض عدد الهجمات يعكس تراجعًا نهائيًا في القدرات العملياتية للحركة، كما لا يحدد بصورة تفصيلية طبيعة جميع الأهداف التي أصبحت تحظى بأولوية لديها، وهو ما يجعل تقييم حجم هذا التحول مرتبطًا باستمرار المراقبة الميدانية والأمنية.
ويحمل التقرير الرقم 38 ضمن تقارير فريق الرصد والتحليل التابع للأمم المتحدة، الذي يتابع أنشطة تنظيمي داعش والقاعدة والجماعات المرتبطة بهما. ويتناول التقرير، إلى جانب نشاط حركة الشباب، عددًا من التطورات المتعلقة بالشبكات المرتبطة بالتنظيمات المسلحة، في إطار متابعة التهديدات الأمنية وتطور قدرات الجماعات الناشطة في الصومال والمنطقة.
علاقات إقليمية وتطوير للقدرات
وتطرق التقرير كذلك إلى معلومات بشأن علاقات تُنسب إلى حركة الشباب مع جماعة الحوثيين في اليمن وتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، فضلًا عن معلومات تتحدث عن تدريب قيل إنه شمل مئات من عناصر الحركة. كما أشار إلى محاولات من جانب الحركة للحصول على معدات متطورة تساعدها في مواجهة الطائرات المسيّرة، في ظل تزايد اعتماد القوات التي تنفذ عمليات ضدها على هذا النوع من الوسائل في الرصد والاستهداف.
وتشير هذه المعطيات، بحسب ما يمكن قراءته من التقرير، إلى استمرار قدرة الحركة على التكيف مع طبيعة الضغوط المفروضة عليها ومحاولتها تطوير وسائلها العملياتية. إلا أن المعلومات المتعلقة بالتدريب والعلاقات الخارجية والمعدات ينبغي التعامل معها في إطار ما أورده التقرير الأممي من تقييمات ومعطيات، دون تحويلها إلى وقائع قطعية تتجاوز ما أثبته التقرير أو ما أكدته مصادر مستقلة.
خسائر في القيادة واستمرار نشاط أحمد ديري
كما تناول التقرير الخسائر التي تعرضت لها حركة الشباب في صفوف قياداتها، مشيرًا إلى مقتل عدد من القيادات والعناصر خلال العمليات التي استهدفتها. وفي المقابل، أفاد بأن زعيم الحركة أحمد ديري لا يزال نشطًا، وهو ما يعكس استمرار وجود القيادة العليا للحركة رغم الضغوط والخسائر التي تعرضت لها خلال الفترة الماضية.
ويكتسب استمرار نشاط القيادة أهمية في تقييم قدرة الحركة على الحفاظ على تماسكها التنظيمي وإدارة عملياتها في مناطق مختلفة، خصوصًا في ظل التغير الملحوظ في طبيعة الهجمات وانتقال جزء من النشاط إلى مناطق خارج العاصمة. كما أن استمرار العمليات ضد الحركة يضع قدرتها على إعادة تنظيم صفوفها والحفاظ على شبكاتها المحلية أمام اختبار مستمر.
تركيز متزايد خارج مقديشو
وبحسب التقرير، فإن انخفاض وتيرة الهجمات داخل مقديشو والمناطق القريبة منها ترافق مع تركّز أكبر لعمليات الحركة في هيرشبيلي وجوبا السفلى وجوبا الوسطى وشبيلي السفلى وغلمدغ. ويشير ذلك إلى تغير في خريطة النشاط العملياتي، الأمر الذي يفرض على السلطات الصومالية توسيع نطاق المتابعة الأمنية وعدم حصر تقييم التهديد في العاصمة والمناطق الحضرية المحيطة بها.
كما أن انتقال التركيز إلى مناطق متعددة يزيد من أهمية التنسيق بين القوات الصومالية والسلطات المحلية، إلى جانب تعزيز القدرات الاستخباراتية وتبادل المعلومات، بما يسمح برصد التحركات والاستعداد للهجمات قبل وقوعها. ويأتي ذلك في ظل استمرار الجهود الرامية إلى تعزيز دور القوات الصومالية في تحمل مسؤولياتها الأمنية ومواجهة حركة الشباب.
دلالات التقرير على المشهد الأمني
وتبرز أهمية التقرير الأممي في أنه يقدم قراءة للتحولات التي طرأت على نشاط حركة الشباب في مرحلة أمنية حساسة تمر بها الصومال، حيث تتواصل العمليات ضد الحركة بالتوازي مع جهود بناء قدرات المؤسسات الأمنية الوطنية. ويشير انخفاض الهجمات في بعض المناطق، مقابل استمرار النشاط في مناطق أخرى، إلى أن تقييم التهديد يحتاج إلى النظر في نوعية العمليات ومواقعها وأهدافها، وليس فقط إلى عدد الهجمات المسجلة.
كما تعكس المعلومات المتعلقة بمحاولات الحركة تطوير قدراتها وتعزيز علاقاتها الخارجية، وفق ما أورده التقرير، طبيعة التحدي الذي تواجهه المؤسسات الأمنية الصومالية، إذ لا يقتصر الأمر على مواجهة الهجمات القائمة، وإنما يشمل أيضًا منع الحركة من الحصول على وسائل جديدة تمكنها من تجاوز الإجراءات الأمنية والعسكرية المفروضة عليها.
الجدير بالذكر أن حركة الشباب لا تزال تشكل أحد أبرز التحديات الأمنية أمام الصومال، رغم الضغوط العسكرية التي تعرضت لها والخسائر التي لحقت بعدد من قياداتها وعناصرها. ويظهر التقرير الأممي الأخير أن الحركة تبدو قادرة على تعديل أساليب عملها وفق طبيعة الظروف الأمنية والعسكرية المحيطة بها، من خلال تقليص بعض أنماط الهجمات والتركيز بصورة أكبر على عمليات محددة وفي مناطق بعينها، إلى جانب محاولات تطوير قدراتها والاستفادة من روابط إقليمية، وفق ما أورده التقرير. وتضع هذه التطورات السلطات الصومالية أمام ضرورة مواصلة تطوير قدرات القوات الوطنية، وتعزيز العمل الاستخباراتي وتبادل المعلومات، وتوسيع التنسيق بين المؤسسات الأمنية والسلطات المحلية، بالتوازي مع معالجة العوامل التي تساعد الجماعات المسلحة على الحفاظ على نفوذها وقدرتها على الحركة. ومن شأن قراءة التحولات التي يرصدها التقرير بصورة دقيقة أن تساعد في بناء استجابة أمنية أكثر مرونة، قادرة على التعامل مع تغير طبيعة التهديد بدل الاكتفاء بمواجهة مظاهره التقليدية.














